أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٤٩ - المسألة السابعة هل القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة، هو حجّة؟
إذا عرفت عدم صحّة الوجوه التي استدلّ بها لعدم وجود الملازمة فنقول: دليلنا على الملازمة و على أنّ الأحكام الشرعيّة تابعة للمصالح و المفاسد أمران:
الأوّل: أنّ العقل يحكم بأنّه قبيح على الحكيم أن يأمر بغير مصلحة و ينهى بغير مفسدة.
الثاني: الآيات و الرّوايات التي علّلت الأحكام و أشارت إلى مصالحها أو مفاسدها: فمن الآيات قوله تعالى في الصّيام: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» [١] و قوله في الحجّ: «لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ» [٢] و قوله في الزّكاة: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهَا» [٣] و قوله في الصّلاة: «إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَ الْمُنْكَرِ» [٤] و قوله في القصاص: «وَ لَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» [٥] و قوله في الجهاد: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» [٦].
و من الرّوايات ما ورد في رواية تحف العقل و حاصله: أنّ كلّ ما هو مأمور به على العباد و قوام لهم في امورهم من وجوه الصلاح الذي لا يقيمهم غيره ممّا يأكلون و يشربون و يلبسون و ينكحون و يملكون و يستعملون فهذا كلّه حلال بيعه و شراؤه وهبته و عاريته، و كلّ أمر يكون فيه الفساد ممّا قد نهى عنه من جهة أكله و شربه و لبسه ... فحرام، هذا هو المستفاد من مجموع ما ورد في تلك الرّواية الطويلة، فإنّ هذه الرّواية تنادي بأعلى صوتها بأنّ الحلال تابع للمصلحة و الحرام تابع للمفسدة و كذلك غيرها من الرّوايات الكثيرة المذكورة في كتاب علل الشرائع و غيره.
أمّا الاحتمال الثالث (و هو أن يكون المراد إنكار قدرة العقل على إدراك المصالح و المفاسد) و الاحتمال الرابع (و هو أن يكون مرادهم عدم إدراك العقل لموانعها و معارضاتها) فجوابهما واضح لأنّه لا إشكال في أنّ العقل و لو بنحو الموجبة الجزئيّة يمكن أن يدرك المصالح الملزمة
[١] سورة البقرة: الآية ١٨٣.
[٢] سورة الحجّ: الآية ٢٨.
[٣] سورة التوبة: الآية ١٠٣.
[٤] سورة العنكبوت: الآية ٤٥.
[٥] سورة البقرة: الآية ١٧٩.
[٦] سورة البقرة: الآية ٢١٦.