أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢١٨ - المسألة الثانية في أحكام التجرّي
و استدلّ القائلون بالحرمة بوجوه خمسة:
الوجه الأوّل: الإجماع المستفاد من موارد من الفقه:
منها: باب السفر الحرام، فإنّ الإجماع قام على حرمة سفر من يخاف على نفسه من الضرر أو الخطر المحتمل وجوده في الطريق و إن انكشف خلافه بعد.
و منها: باب أوقات الصّلاة، فالإجماع قام على عدم جواز تأخير الصّلاة لمن يظنّ ضيق الوقت، فلو تأخّرها عصى و إن تبيّن بعد عدم ضيق الوقت.
و فيه: أوّلًا: أنّ الإجماع في مثل هذه المسألة التي لها مدارك مختلفة ليست بحجّة و كاشفاً عن قول المعصوم ٧.
ثانياً: الإجماع في الفرع الثاني ليس بثابت، لذهاب بعض الفقهاء إلى عدم المعصية إذا انكشفت سعة الوقت، و أمّا الفرع الأوّل فيمكن أن يقال: إنّ موضوع الحرمة فيه هو نفس خوف الضرر و الخطر لا الضرر الواقعي، و حينئذٍ لا يتصوّر كشف الخلاف، فإن الخوف موجود واقعاً على كلّ حال.
الوجه الثاني: بناء العقلاء على عقاب المتجرّي على المولى.
و جوابه واضح، لأنّه أوّل الكلام و لا دليل عليه، نعم أصل المذمّة و الحكم بالقبح من ناحيتهم ممّا لا إشكال فيه لكن حكمهم بالعقاب ليس ثابت.
إن قلت: حكم العقلاء من حيث هم عقلاء بالقبح يلازم العقاب الشرعي بقاعدة الملازمة.
قلنا: لا ملازمة بين العقاب الشرعي و القبح العقلي في جميع مراتبه لأنّ للقبح درجات: منها درجة تشبه الكراهة التي لا عقاب على ارتكابها بلا خلاف، بل الملازمة ثابتة بين العقاب الشرعي و القبح العقلي الذي يحكم العقل بلزوم تركه أيضاً، كما أنّ الحسن العقلي أيضاً لا يلازم الوجوب الشرعي في جميع مراتبه، حيث إن للمستحبّات العقليّة أيضاً درجة من الحسن لا تبلغ حدّ الإلزام.
الوجه الثالث: دليل العقل و بيانه: أنّه إذا نوى شخصان شرب الخمر و ارتكبا مقدّماته و شرب كلّ منهما ما قطع بخمريته فأصاب قطع أحدهما بالواقع دون الآخر فالحكم في المسألة حينئذٍ لا يخلو من أحد احتمالات أربعة: فأمّا أن نحكم باستحقاق كليهما للعقاب و هو المطلوب، أو نقول بعدم استحقاق كليهما له و هو كما ترى، و الاحتمال الثالث استحقاق المخطئ له و عدم