أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢١٧ - المسألة الثانية في أحكام التجرّي
و أمّا عدم كونها اصوليّة فلما أشرنا إليه من أنّ المسألة الاصوليّة ما تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الكلّي الفرعي و ليست هي بنفسها حكماً كلّياً فرعياً.
و أمّا ما ذكره في توجيه كونها اصوليّة من أنّ البحث فيها بحث عن الحسن و القبح و وجود الملازمة بين حكم العقل و الشرع.
ففيه: أنّه أيضاً من الخلط بين الصغرى و الكبرى، حيث إن الاصولي في مسألة الحسن و القبح يبحث في كبرى «كلّما حكم به العقل حكم به الشرع» بينما في ما نحن فيه يبحث في أنّ التجرّي هل يحكم العقل بقبحه حتّى يكون صغرى لتلك الكبرى و تكون النتيجة حرمته عند الشرع أيضاً أو لا؟ و هذا واضح.
و هاهنا كلام للمحقّق النائيني (رحمه الله): و هو «أنّ الإنصاف أنّ إحراز الشيء لا يكون مغيّراً لما عليه ذلك الشيء من المصلحة و المفسدة، و ليس من قبيل الضرر و النفع العارض على الصدق و الكذب المغيّر لجهة حسنه و قبحه لوضوح أنّ العلم بخمريّة ماء و تعلّق الإحراز به لا يوجب انقلاب الماء عمّا هو عليه و صيرورته قبيحاً، فدعوى أنّ الفعل المتجرّي به يكون قبيحاً و يستتبعه الحكم الشرعي بقاعدة الملازمة واضحة الفساد» [١].
أقول: جوابه واضح، لأنّ القائل بالحرمة لا يقول: أنّ شرب الماء بعنوانه حرام بل لم يقل بحرمته بعنوانه أحد، بل يقول: إنّ الشارب للماء بنيّة شرب الخمر قد تجرّأ على المولى، و أوقع نفسه في مقام الهتك عليه فينطبق على شربه عنوان الهتك و الجرأة على المولى، و لذلك أي لأجل هذا الانطباق صار شرب الماء حراماً، و بعبارة اخرى: أنّ عنوان التجرّي عنوان من العناوين الثانويّة، و في كلامه وقع الخلط بينها و بين العناوين الأوّليّة.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الأقوال في المسألة ثلاثة:
أوّلها: الحرمة، و ذهب إليه المحقّق الخراساني (رحمه الله) و من تبعه.
الثاني: عدم الحرمة، و مال إليه شيخنا الأعظم في الرسائل.
الثالث: التفصيل بين الحالات المختلفة المتصوّرة في المقام، و هذا هو الذي اختاره صاحب الفصول (رحمه الله) و سيأتي أنّه ليس بتفصيل، بل يرجع في الواقع إلى القول بالحرمة مطلقاً.
[١] درر الفوائد: ج ٣، ص ٤١، طبع جماعة المدرّسين.