أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢١٦ - المسألة الثانية في أحكام التجرّي
مرحلة من هذه المراحل، فمن نوى و لم يأت بالعمل أو أتى بالمقدّمة و لم يأت بذي المقدّمة أو أتى بذي المقدّمة أيضاً و لكن لم يصب قطعه الواقع أو أصاب قطعه بالواقع أيضاً، ففي جميع هذه المراحل قد تجرّى على مولاه، نعم في مصطلح الاصوليين يطلق التجرّي على خصوص المرحلة الثالثة فقط، أي ما إذا نوى و أتى بالمقدّمة وذي المقدّمة و لم يصب الواقع، و لا يخفى أنّ نفس هذا الكلام و هذه المراحل بأسرها تجري في الانقياد أيضاً.
المقدمة الثانية: هل هذه المسألة مسألة اصوليّة أو فقهيّة أو كلاميّة؟
ذهب المحقّق الحائري (رحمه الله) في درره إلى أنّها قابلة لكلّ منها و قال: «أنّ النزاع يمكن أن يقع في استحقاق العقوبة و عدمه فيكون راجعاً إلى النزاع في المسألة الكلاميّة، و يمكن أن يقع النزاع في أنّ ارتكاب الشيء المقطوع حرمته هل هو قبيح أم لا؟ فيكون المسألة من المسائل الاصوليّة التي يستدلّ بها على الحكم الشرعي، و يمكن أن يكون النزاع في كون هذا الفعل أعني ارتكاب ما قطع بحرمته مثلًا حراماً شرعاً أو لا؟ فتكون من المسائل الفقهيّة» [١].
أقول: الإنصاف أنّ المسألة فقهيّة و لا غير، أمّا كونها فقهيّة فلأنّ نتيجتها و هي حرمة التجرّي حكم كلّي فرعي قابل للانطباق على مصاديقه الجزئيّة و حيث يمكن للفقيه أن يكتب في الرسالة العمليّة: أنّ من نوى حراماً و فعل مقدّماته و لم يطابق الواقع فقد فعل حراماً أو لم يفعل حراماً.
و بعبارة اخرى: أنّ نتيجتها لا تقع كبرى لقياس الاستنباط حتّى تستنتج منها حكماً كلّياً فرعياً بل هي نفسها حكم كلّي فرعى، و لو تنزّلنا عن ذلك فلا أقلّ من كونها من القواعد الفقهيّة.
و أمّا عدم كونها كلاميّة فلأنّ البحث فيها بحث عن صغرى موضوع علم الكلام، حيث إن موضوعه هو كبرى: أنّ المعصية هل توجب العقاب أو لا؟ بينما البحث في المقام بحث في صغرى المعصية، أي في أنّ فعل المتجرّي معصية أو لا؟
و إلّا فإن كانت هذه مسألة كلاميّة يلزم أن يكون كلّ فرع فقهي من مسائل الكلام، و الإنصاف أنّ عدّها من علم الكلام من ناحية هذا المحقّق بعيد من مقامه.
[١] درر الفوائد: ص ٣٣٥، طبع جماعة المدرّسين.