أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢١٥ - المسألة الثانية في أحكام التجرّي
الثانية: مرتبة الإنشاء و هي مرتبة جعل القانون و ضرب القاعدة من دون أن يكون فيه انفاذ للحكم و لا إعلام به، و هذا نظير القوانين العرفيّة قبل ابلاغها إلى المأمورين للإجراء.
الثالثة: مرتبة الفعلية و هي مرتبة الانفاذ و الابلاغ للمكلّفين و البعث و الزجر.
الرابعة: مرتبة التنجّز و هي مرتبة انقطاع عذر المكلّف ببلوغ الحكم إليه و قدرته عليه فإذا علم به و هو متمكّن من امتثاله فقد تنجّز عليه التكليف عقلًا و العقل حاكم باستحقاق العقاب عليه إذا خالفه بلا عذر، فالحكم قبل أن يبلغ إلى مرتبة التنجّز و قبل حصول شرطيّه و هما العلم و القدرة لا يوجب ترك امتثاله عقاباً للعبد، و الحاكم به العقل، و إذن ليست هذه المرتبة حقيقة من مراتب الحكم، كما أنّ عدّ المرتبة الاولى (و هي مرتبة المصلحة و المفسدة) من مراتب الحكم أيضاً لا يخلو من مسامحة.
هذا في دائرة القوانين أعمّ من الشرعيّة و العرفيّة، و أمّا في الأوامر العرفيّة العادية الجارية بين الموالي و العبيد فلا إشكال في أنّ له مرتبة واحدة من هاتين المرتبتين، و هي مرتبة البعث أو الزجر كما إذا قال: «اسقني ماءً» لعدم تصوّر الإنشاء فيها منفصلًا عن مرحلة البعث و الزجر عادةً كما لا يخفى.
المسألة الثانية: في أحكام التجرّي
إذا قطع الإنسان بحرمة شيء و ارتكبه ثمّ انكشف الخلاف و عدم مطابقة قطعه للواقع، كما إذا قطع بأنّ هذا المائع خمر فشربه، ثمّ تبيّن أنّه ليس بخمر، أو قطع بأنّ هذا غصب فتصرف فيه، ثمّ تبيّن أنّه ماله فهل فعل حينئذٍ حراماً أو لا؟ وقع البحث فيه بين الأعلام.
و لكن ينبغي ذكر مقدّمتين قبل الورود في أصل المسألة و الأقوال الموجودة فيها:
المقدمة الاولى: أنّه تتصوّر في ارتكاب شيء مراحل أربع:
أحدها: النيّة بمراحلها (سيأتي أنّ للنيّة مراحل عديدة).
ثانيها: ارتكاب مقدّمات الفعل.
ثالثها: ارتكاب ذي المقدّمة.
رابعها: مرحلة الإصابة للواقع و عدمها، و لا شكّ في أنّ التجرّي صادق بالنسبة إلى كلّ