أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢١١ - المسألة الاولى في حجّية القطع
ثمّ إنّ هذا كلّه بالنسبة إلى العلم التفصيلي، و أمّا العلم الإجمالي (الذي أشار إليه في مقام التقسيم في تهذيب الاصول حيث قال: «و الأولى أن يقال: إذا التفت المكلّف إلى حكم كلّي فأمّا أن يحصل له القطع به و لو إجمالًا أو لا ...») فله جهتان فمن جهة انطباق عنوان القطع عليه و كونه نوعاً من القطع لا بدّ من طرحه في مبحث القطع، و من جهة امتزاجه بنوع من الشكّ لا بدّ من طرحه في مبحث الشكّ كما فعله هكذا كلّ من العلمين: شيخنا العلّامة و المحقّق الخراساني رحمهما الله فتكلّما عنه تارةً في مبحث الشكّ.
إذا عرفت هاتين المقدّمتين فاعلم أنّ هاهنا مسائل:
المسألة الاولى: في حجّية القطع
و فيها أيضاً جهتان من البحث: الجهة الاولى: في الدليل على حجّية القطع، و الثانية* في أنّ الحجّية ذاتيّة للقطع.
أمّا الجهة الاولى: فأدلّ الدليل على حجّيته الوجدان بحيث لا حاجة إلى مزيد بيان و إقامة برهان، و الحجّة- كما لا يخفى- معناها ما يمكن به أن يحتجّ العبد على مولاه و بالعكس، و بعبارة اخرى: ما يكون قاطعاً للعذر، كما قد يكون مسبّب العذر، فيكون قاطعاً للعذر عند إصابة الواقع، و عذراً للعبد إذا خالف الواقع، و هذا ما يسمّى بالمنجزيّة و المعذّريّة.
أمّا الجهة الثانية: فإنّ المعروف أنّ الحجّية من ذاتيات القطع بالوجدان، و الذاتي ليس قابلًا للجعل، و بتعبير آخر: أنّها من قبيل لوازم الماهيّة التي لا يمكن جعلها بالجعل البسيط، بل يتّبع جعلها جعل نفس الماهيّة كالإحراق الذي يجعل بتبع جعل النار بسيطاً، أي إذا وجدت النار و تحقّقت تحقّق الإحراق بتبعها، كما لا جعل تركيبيّاً بين الشيء و لوازمه الذاتيّة، و حاصل ما ذكر: أنّه لا يمكن جعل الحجّية للقطع لأنّها من ذاتياته. هذا أوّلًا.
و ثانياً: أنّ جعلها يستلزم التسلسل لأنّ نفس هذا الجعل أيضاً يثبت بالقطع فننقل الكلام إليه فإن كان حجّيته ذاتيّة فبها، و إن احتاجت هي أيضاً إلى جعل آخر فهو أيضاً يثبت من طريق القطع، ثمّ ننقل الكلام إلى هذا القطع و هكذا فإن انتهى في النهاية إلى ما تكون الحجّية