أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٨٨ - المقام الثالث في دلالة المطلق على الشمول و السريان و بيان مقدّمات الحكمة
أمّا المقدّمة الثالثة: (و هي وجود القابلية للإطلاق و التقييد التي أفادها المحقّق النائيني (رحمه الله) فيرد عليها أوّلًا: أنّها ترجع إلى المقدّمة الاولى لأنّ من لم يقدر على التقييد لم يكن في مقام البيان، و لا فرق في عدم جواز التمسّك بالإطلاق بين أن يكون عدم كون المتكلّم في مقام البيان ناشئاً من عدم حضور وقت البيان أو من استلزامه أمراً محالًا كالدور.
ثانياً: قد مرّ في البحث عن التوصّلي و التعبّدي من أنّ التقسيمات اللاحقة تكون كالتقسيمات السابقة لأنّها و إن كان وجودها لاحقاً عن وجود المتعلّق إلّا أنّه يمكن تصوّرها سابقاً و أخذها في المتعلّق فنقول: «صلّ مع قصد أمرها» و تمام الكلام في محلّه.
فظهر أنّ المقدّمة الثالثة على حدّها ليست مقدّمة بل إنّها ترجع حقيقة إلى المقدّمة الاولى، نعم ينبغي التنبيه بها و التوجّه إليها على فرض وجود مصداق لها.
أمّا المقدّمة الرابعة: (و هي عدم الانصراف) فنقول في توضيحها: أنّ الانصراف هو أن توجد من ناحية كثرة الاستعمال بين لفظ و معنى علاقة في الأذهان بحيث توجب انسباق ذلك المعنى من اللفظ حين إطلاقه، و ليس المراد منه صيرورة اللفظ حقيقة ثانويّة في ذلك المعنى، و هو نظير انصراف كلمة «أهل العلم» في يومنا هذا إلى العالم الديني مع أنّ غيره أيضاً من أهل العلم.
و هو على خمسة أنواع: أحدها: الانصراف البدوي و هو يزول بالتأمّل، مثل أن يقال: «من المفطّرات الأكل و الشرب» الذي ينصرف إلى الأغذية و المشروبات المتعارفة، لكنّه بدوي لا اعتبار به، و لذا أفتى الأصحاب بحصول الإفطار بالمأكولات غير المتعارفة كأوراق الأشجار.
ثانيها: الانصراف الذي منشأه كثرة الاستعمال و هو لا يزول بالتأمّل كالمثال المتقدّم و هو أهل العلم الذي ينصرف إلى العالم الديني لكثرة استعماله فيه.
ثالثها: الانصراف إلى الفرد الأكمل من أفراد الماهيّة المشكّكة نحو ما مرّ في البحث عن مفهوم الشرط من انصراف العلّية المستفادة من أداة الشرط إلى العلّية المنحصرة لكونها أكمل أفراد العلّية، و لكن هذا الانصراف غير ثابت بل حيث إن الفرد الأكمل يكون نادراً لا ينصرف إليه اللفظ قطعاً.
رابعها: الانصراف إلى القدر المتيقّن و هذا أيضاً غير ثابت.
خامسها: الانصراف الحاصل من كثرة الاستعمال حيث يكون المعنى السابق مهجوراً