أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٥١ - الفصل العاشر هل يجوز تخصيص عمومات الكتاب بخبر الواحد؟
و جوابه واضح، و هو أنّ دليل حجّية خبر الواحد ليس منحصراً بالإجماع بل لها أدلّة اخرى منها: السيرة المستمرّة لأصحاب الأئمّة : على العمل بخبر الواحد المخالف للعام الكتابي و منها: بناء العقلاء على العمل بها مطلقاً سواء كان في مقابله دليل قطعي الصدور أم لا.
الوجه الثالث: أنّه لو جاز التخصيص به لجاز النسخ أيضاً، و التالي باطل اتّفاقاً فالمقدّم مثله، بيان الملازمة، أنّ النسخ نوع من التخصيص فإنّه تخصيص في الأزمان و التخصيص المطلق أعمّ منه، فلو جاز التخصيص بخبر الواحد لكانت العلّة أولويّة تخصيص العام على إلغاء الخاصّ و هو قائم في النسخ.
و اجيب عنه بوجهين:
الأوّل: أنّ الفارق بين النسخ و التخصيص هو الإجماع لاختصاص الإجماع على المنع بالنسخ.
الثاني: أنّ العقل يحكم بتفاوت النسخ عن التخصيص فالنسخ ممّا يتوفّر الداعي بضبطه، و لذا قلّ الخلاف في موارده و يكون الخبر الدالّ عليه متواتراً غالباً، فلا نحتاج في تعيين موارده إلى العمل بخبر الواحد، بخلاف التخصيص كما يشهد لذلك الارتكاز العقلائي فإنّه إذا قام خبر الواحد تارةً على مجيء أحد الأصدقاء مثلًا و اخرى على مجيء شخص عظيم معروف خلف باب المدينة أو على وقوع الزلزلة و انهدام الحرم و منارته بها فإنّهم يقبلون خبر الواحد في الأوّل و يرتّبون الآثار عليه دون الثاني لمكان الأهميّة، فيستكشف من هذا أنّ طبيعة بعض الأخبار تتوفّر فيها الدواعي على نقلها و أنّها لو كانت لبانت، و لعلّ هذا هو أساس اختصاص الإجماع على المنع بالنسخ.
و لنا جواب ثالث عن هذا الوجه، و هو أنّا ننكر وجود الملازمة بين النسخ و التخصيص، فإنّ النسخ ليس تخصيصاً في الأزمان للزوم تخصيص الأكثر حينئذٍ، فلو كان مقتضى إطلاق أدلّة وجوب صلاة الجمعة مثلًا بقاؤه إلى يوم القيامة و لكن طرأ عليه دليل النسخ بعد زمان قصير فبناءً على كون النسخ تخصيصاً أزمانياً يوجب إخراج أكثر الزمان منذ ورود النسخ إلى يوم القيامة، هذا- مضافاً إلى ما سيأتي من أنّه ليس للأحكام عموم أزماني، فليس معنى قوله «يجب الصّلاة» مثلًا «يجب الصّلاة إلى يوم القيامة» بل الدوام مقتضى طبيعة القانون الشرعي حيث إن من طبعه أن يبقى ببقاء الشرع نظير القوانين العرفيّة العقلائيّة، فليس معنى قولك: