أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٥٠ - الفصل العاشر هل يجوز تخصيص عمومات الكتاب بخبر الواحد؟
القرائن في عصر الحضور، و لو لم نقطع به فلا أقلّ من احتماله.
و أمّا الوجه الثاني: ففيه أنّ في الكتاب عمومات كثيرة لم تخصّص أصلًا حيث إن غالب عمومات الكتاب ليس الشارع فيها في مقام البيان من قبيل قوله تعالى: «أَقِيمُوا الصَّلَاةَ» و هكذا قوله: «خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً» حيث إنّ معناه أنّ جميع ما خلق في الأرض يكون بنفعكم، و ليس مفاده منحصراً في خصوص منفعة الأكل حتّى يخصّص بما ورد من أدلّة حرمة الأكل بالنسبة إلى بعض الأشياء، و هكذا قوله تعالى: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً» فإنّه ليس في مقام البيان حتّى ينافيه و يخصّصه ما يدلّ على أنّ الزّكاة في تسعة أشياء.
و الأولى في المقام أن يستدلّ بعمومات أدلّة حجّية خبر الواحد كبناء العقلاء و مفهوم آية النبأ، فإنّها دليل على العمل به و لو في مقابل عمومات الكتاب و السنّة المتواترة.
و أمّا المانعون فاحتجّوا للمنع بوجوه:
الوجه الأوّل: أنّ الكتاب قطعي و خبر الواحد ظنّي، و الظنّي لا يعارض القطعي لعدم مقاومته له فيلغى بالمرّة.
و اجيب عنه: بأنّ الدوران و التعارض يقع في الحقيقة بين أصالة العموم في العام الكتابي و بين دليل حجّية الخبر، لا دلالته، و حيث إن الخاصّ أقوى دلالة من العام، فلا شبهة في تقديمه عليه بعد أن ثبتت حجّيته بدليل قطعي، و ببيان آخر: أنّ الخبر بدلالته و سنده صالح عرفاً للقرينية على التصرّف في أصالة العموم بخلاف أصالة العموم فإنّها لا تصلح لرفع اليد عن دليل اعتبار الخبر لأنّ اعتبار أصالة العموم منوط بعدم قرينة على خلافها، و المفروض أنّ الخبر الخاصّ بدلالته و سنده يصلح لذلك، فلا مجال لأصالة العموم مع القرينة على خلافها.
هذا هو جواب المشهور عن هذا الوجه، لكن الأحسن في مقام الجواب أن نرجع إلى ما بيّناه سابقاً في مبحث العام و الخاصّ من أنّ العمومات الواردة في الكتاب و السنّة يجوز تخصيصها لحكمة تدريجيّة بيان الأحكام في الشريعة المقدّسة التي جرت عليها عادة الشارع و سيرته، و في خصوص الكتاب جرت أيضاً على بيان امّهات الأحكام غالباً و فوّض شرحها و بيان جزئيّاتها إلى سنّة النبي ٦ و الأئمّة :، فالقرآن حينئذٍ بمنزلة القانون الأساسي (في يومنا هذا) الذي بيّنت فيه امّهات المسائل فقط.
الوجه الثاني: أنّ دليل حجّية الخبر و هو الإجماع لبّي، و المتيقّن منه هو الخبر غير المخالف للكتاب فلا يشمل المخالف.