أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٤٤ - الفصل التاسع الكلام في الاستثناء المتعقّب للجمل المتعدّدة
و كلا الأمرين غير تامّ، أمّا الأوّل فلما مرّ من أنّ الموضوع له في الحروف كلّي دائماً أو غالباً، و لو سلّمنا كونه جزئياً لكن الإخراج في ما نحن فيه ليس متعدّداً بل هو واحد و إنّما المخرج متعدّد، و هذا نظير إنشاء المعاني المتعدّدة بصيغة واحدة نحو «بعت هذا الدار بالف تومان و ذاك بالفين و ذاك بآلاف».
و أمّا الثاني: فلأنّه أوّلًا: يمكن لحاظ معانٍ متعدّدة بصورة وحدانية و تصوّرها بنحو جمعي ثمّ إفناء معنى الحرف في جميعها، كما إذا قيل: «سِرْ من البصرة أو الكوفة و إلى بغداد و إلى عبّادان» فيلحظ معنى الابتدائيّة لكلمة «من» فانياً في جميع الأمكنة المذكورة في المثال بلحاظ واحد.
ثانياً: يمكن كون اللحاظات متعدّدة و استعمال اللفظ في أكثر من معنى، لما مرّ كراراً من عدم اعتبار آنٍ حقيقي في اللحاظ، و لا دليل على أنّ اللحاظات آنات حقيقيّة، بل يمكن احضار معانٍ متعدّدة كسبعين معنى للفظ «عين» مثلًا في الذهن متوالية واحداً بعد واحد ثمّ استعمال لفظ العين في الجميع، و لذلك ذهبنا إلى جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى، هذا كلّه في الأمر الأوّل.
الأمر الثاني: أنّه لو قلنا بالإجمال و أنّ الاستثناء المتعقّب لجمل متعدّدة لا يكون ظاهراً في الرجوع إلى الجميع و لا في الرجوع إلى خصوص الأخيرة بعد صلوحه لكلّ منهما و إن كان الرجوع إلى الأخيرة متيقّناً معلوماً فهل يسقط العمومات غير الأخيرة عن الحجّية أو لا؟
قال المحقّق الخراساني (رحمه الله): إنّها ساقطة عن الحجّية، فلا يكون ما سوى الأخيرة ظاهراً في العموم لاكتنافه بما يصلح للرجوع إليه، فلا بدّ في محلّ الشكّ من الرجوع إلى الأصل العملي.
ففي مثال «أكرم العلماء إلّا الفسّاق و المخالفين منهم» نرجع في مشكوك الفسق و المخالفة إلى أصل البراءة.
و قال المحقّق النائيني (رحمه الله): بعدم سقوطها عن الحجّية بل «يحتاج تخصيص الجمل السابقة على الجملة الأخيرة إلى دليل آخر مفقود على الفرض، و أمّا توهّم كون المقام من قبيل اكتناف الكلام بما يصلح للقرينية فهو غير صحيح، لأنّ المولى لو أراد تخصيص الجميع و مع ذلك اكتفى في مقام البيان بذكر استثناء واحد مع تكرار عقد الوضع في الجملة الأخيرة لكان مخلًا ببيانه» [١].
[١] أجود التقريرات: ج ١، ص ٤٩٧.