أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٤٠ - الفصل الثامن الكلام في تخصيص العام بالمفهوم
أقول: الإنصاف أنّ البحث انحرف عن مسيره الأصلي في كلمات المتأخّرين كالمحقّق الخراساني و النائيني رحمهما الله و بعض آخر (قدّس اللَّه أسرارهم) فقد تكلّموا عن امور أربع لا ربط لها بمحلّ النزاع.
أحدها: أنّه هل يستفاد العموم أو المفهوم من مقدّمات الحكمة أو من الوضع؟
ثانيها: هل الكلام يكون من قبيل المحفوف بالقرينة أو لا؟
ثالثها: هل العام لسانه آبٍ عن التخصيص أو لا؟
رابعها: هل النسبة بين العام و الخاصّ العموم و الخصوص مطلقاً أو من وجه؟
مع أنّ الحقّ في المقام أن يتكلّم عن التفاوت بين المفهوم و المنطوق فقط و أنّه إذا كان العام قابلًا للتخصيص بالمنطوق فهل يخصّص بالمفهوم أيضاً أو لا؟
و بعبارة اخرى: هل يكون للمفهوم من حيث هو مفهوم نقص في التخصيص بالقياس إلى المنطوق؟ و ذلك لأنّه لا فرق في هذه النكات الأربع بين المنطوق و المفهوم، فإنّ المنطوق أيضاً لا يقدّر لتخصيص العام الآبي عن التخصيص، و لا يخصّصه أيضاً إذا كان هو بمقدّمات الحكمة و كان العام دالًا على العموم بالوضع، و كذلك إذا كانت النسبة بينه و بين العام العموم من وجه أو كان العام لأقوائيته و أظهريته قرينة على التصرّف في الخاصّ.
إذن فلا بدّ من ارجاع البحث إلى محوره الأصلي، و هو أن نفرض الكلام أوّلًا في مورد كان العام فيه يخصّص بالخاصّ على تقدير كونه منطوقاً، ثمّ نبحث في أنّه هل يخصّص بالمفهوم أيضاً في هذا الفرض أو لا؟ و أنّ المفهوميّة هل توجب ضعفاً للخاصّ أو لا؟ و حينئذٍ نقول: ربّما يتوهّم أنّ الدلالة المفهوميّة أضعف من الدلالة المنطوقيّة فلا يكون الخاصّ إذا كان مفهوماً مخصّصاً للعام، لكن الإنصاف أنّ مجرّد كون الخاصّ مفهوماً لا يوجب ضعفاً، بل ربّما يكون المفهوم أقوى من المنطوق، بل ربّما يكون المقصود الأصلي للمتكلّم هو المفهوم فقط.
و بالجملة لا المنطوق بما هو منطوق يوجب قوّة للخاص و لا المفهوم بما هو مفهوم يوجب ضعفاً له، فتلخّص من جميع ما ذكرنا أنّه يجوز تخصيص العام بالمفهوم كما يجوز تخصيصه بالمنطوق، نعم كما أشرنا آنفاً قد يكون العام أقوى من الخاص فلا يخصّص العام به كما إذا كان العام آبياً عن التخصيص، لكنّه لا يختصّ بالمفهوم بل المنطوق أيضاً لا يخصّص العام إذا كان العام كذلك، نحو قوله ٧: «ما خالف كتاب اللَّه فهو زخرف» فإنّ هذا عام لا يمكن تخصيصه