أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٣٨ - الفصل الثامن الكلام في تخصيص العام بالمفهوم
«فلا تقل لهما افّ» أو «إنّ جاءك زيد فأكرمه» فلم يقل أحد بحذف قضيّة «لا تضرب» أو قضية «إن لم يجئك زيد فلا يجب إكرامه» أو تقديرهما، بل يقال بأنّ القضيتين المنطوقتين تدلّان عليهما بالمفهوم.
الوجه الثاني: أنّ تقسيم المساواة إلى منصوص العلّة و مستنبط العلّة أيضاً تامّ فيما إذا قلنا بحجّية مستنبط العلّة، مع أنّه ليس بحجّة عند الإماميّة، لعدم إمكان استنباط ملاكات الأحكام و عللها، و ما أبعد عقول الرجال عن دين اللَّه كما ورد في الحديث.
إن قلت: فما معنى تنقيح المناط و إلغاء الخصوصيّة في المسائل الفقهيّة كما إذا قيل مثلًا: إن سافرت بين مكّة و المدينة ثمانية فراسخ فقصّر، و نحن نعلم بأنّه لا خصوصيّة لمكّة و المدينة، و نلغي خصوصيتهما و نحكم بوجوب القصر في سائر الأمكنة إذا تحقّق مقدار ثمانية فراسخ، فما الفرق بين هذا و قياس مستنبط العلّة؟
قلت: يكون النظر في القياس المستنبط العلّة إلى علّة الحكم، بينما هو في تنقيح المناط يكون إلى موضوع الحكم، و الفرق بين الموضوع و العلّة واضح حيث إنّ الموضوع هو عنوان مشتمل على جميع ما له دخل في تنجّز التكليف و فعليّته كعنوان المستطيع في وجوب الحجّ، و أمّا العلّة فإنّها داخلة في سلسلة المبادئ و الأغراض، مضافاً إلى أنّ إلغاء الخصوصيّة و تنقيح المناط طريق إلى تعيين دائرة المنطوق و توسعتها و لا ربط له بالمفهوم، فإذا تعدّينا من مورد دليل إلى مورد آخر بالالغاء أو التنقيح و أثبتنا الحكم الثابت في مورد ذلك الدليل لمورد آخر- تعدّ دلالة الدليل حينئذٍ من قبيل المنطوق لا المفهوم كما لا يخفى.
الوجه الثالث: إنّ ما ذكره من الفرق بين الأولويّة القطعيّة و العرفيّة أيضاً غير تامّ، لأنّ الأولويّة سواء كانت عقليّة أو عرفيّة داخلة في المفهوم، و فهم العرف لا ينافي ذلك، لوجود ملاك المفهوم في كلتيهما، حيث إن الملاك هو كون الحكم غير مذكور و هو موجود في مثل قوله تعالى: «فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ» بالنسبة إلى قضية «لا تضرب» مثلًا كما لا يخفى، نعم إلّا إذا كان المنطوق مجرّد طريق و إشارة إلى المفهوم، فلا يكون القول بالافّ في الآية مثلًا حراماً بنفسه بل يكون نحو كناية عن مثل الضرب، ففي مثل هذه الموارد تدخل الأولويّة العرفيّة في المنطوق بلا إشكال.