أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٠١ - الفصل الرابع التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصّص
و خرج منه صورتان فحسب: صورة الضرورة، و صورة ما إذا سقطت الموقوفة عن حيّز الانتفاع فلا بدّ من الحكم بالمنع في مصاديقه المشكوكة.
و هذا بيان تامّ يظهر منه وجه ما ذكره المحقّق اليزدي (رحمه الله) في كتاب العروة، المسألة ٠ ٥- من كتاب النكاح حيث قال: «فإن شكّ في كونه مماثلًا أو لا، أو شكّ في كونه من المحارم النسبية أو لا فالظاهر وجوب الاجتناب لأنّ الظاهر من آية وجوب الغضّ أنّ جواز النظر مشروط بأمر وجودي و هو كونه مماثلًا أو من المحارم، فمع الشكّ يعمل بمقتضى العموم لا من باب التمسّك بالعموم في الشبهة المصداقية ... فليس التخصيص في المقام من قبيل التنويع حتّى يكون من موارد أصل البراءة بل من قبيل المقتضي و المانع» فقد صرّح بأنّ الحكم بالحرمة في صورة الشكّ ليس من باب التمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة بل إنّه من باب قاعدة المقتضي و المانع، مع أنّها ليست بحجّة و لا دليل عليها كما مرّ، لكن يظهر بالبيان المذكور إمكان المساعدة معه في الشقّ الثاني من كلامه، أي صورة الشكّ في كونه من المحارم، لأنّا نستفيد من الأدلّة أنّ الطبيعة الأوّليّة في المرأة حرمة النظر خلافاً للصورة الاولى، أي صورة الشكّ في كونه مماثلًا أو غير مماثل لأنّ طبيعة الإنسان ليست على المنع عن النظر إليه، و النتيجة حينئذٍ أنّ الظاهر وجوب الاجتناب في الصورة الثانية لا الاولى بل المرجع في الصورة الاولى الأصل العملي و هو فيها البراءة.
و من هنا يظهر أيضاً أنّ نسبة التمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة للمخصّص إلى المشهور في مثل هذه الموارد لعلّها نسبة غير صحيحة لأنّها تكون من قبيل ما يكون طبيعته على المنع، نظير أبواب الضمانات و نظير ما وقع مورداً للبحث و النزاع في يومنا هذا من السمكة المسمّاة ب «اوزون برون» فلو فرض عدم إحراز الفلس لها و شككنا في كونها ذا فلس أم لا قلنا: يستفاد من الأدلّة أنّ طبيعة حيوان البحر على المنع من أكله و خرج منه السمك إذا كان له فلس، أي إذا أحرز له الفلس، و أمّا الصورة المشكوكة فالقاعدة تقتضي حرمة الأكل فيها.
فثبت ممّا ذكر أنّ الحقّ هو ما ذهب إليه أكثر المحقّقين المتأخّرين من عدم جواز التمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة للمخصّص إلّا في الموارد التي تكون طبيعة الحكم فيها على المنع.
ثمّ إنّ شيخنا العلّامة الأنصاري (رحمه الله) قد فصّل في المقام بين ما إذا كان المخصّص لفظيّاً و ما إذا كان لبّياً، فعلى الأوّل لا يجوز التمسّك بالعام في الشبهات المصداقيّة دون الثاني، مثلًا إذا قال