الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٧٢ - ٤ غفران اللّه لمن أمر بإحراق بدنه بعد الموت
أقول:رواها أبو هريرة بلفظ آخر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: كان رجلٌ يسرف على نفسه فلما حضره الموت، قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثمّ أطحنوني، ثمّ ذروني في الريح، فواللّه لئن قدر عليّ ربّي ليعذبني عذاباً ما عذّب أحداً، فلما مات فعل به ذلك، فأمر اللّه الاَرض، فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت فإذا هو قائم.
فقال: ما حملك على ما صنعت، قال: يا ربّخشيتك، فغفر له، وقال غيره: مخالفتك يا ربّ. [١]
وقد رواه البخاري أيضاً عن أبي سعيد الخدريّ.
وعلى أيّة حال، فالرواية تنتهي تارة إلى حذيفة بن اليمان، وأُخرى إلى أبي هريرة، وثالثة إلى أبي سعيد الخدري.
وفي الرواية تساوَلات
أولاً: الظاهر انّ الموصي أوصى بما أوصى لئلا يُحشر ويعذب، وزعم انّه سبحانه لا يقدر على حشره إذا أحرق بدنه وذُرّ رماد بدنه في الريح، كما هو ظاهر قوله على ما نقل أبو هريرة «واللّه لئن قدر عليَّ ربّي ليعذبني عذاباً ما عذّب أحداً» وهذا اعتقاد بعجزه سبحانه من حشره، إذا حرق و ذُرّ.
وهذا النوع من العقيدة جهل بقدرته سبحانه (وَما قَدَرُوا اللّه حقّ قَدْرهِِ)(الاَنعام|٩١) وهو موجب للعقاب لا للغفران، ولما وقف ابن حجر على ذلك اعتذر بأنّ الرجل قال ذلك في حالة دهشته وغلبة الخوف عليه، حتى ذهب بعقله لما يقول، ولم يقله قاصداً لحقيقة معناه، بل في حالة كان فيها كالغافل والذاهل والناسي الذي لا يوَاخذ بما يصدر منه. [٢]
[١] صحيح البخاري: ٤|١٧٦، حديث الغار.
[٢] فتح الباري: ٦|٥٢٣ شرح حديث ٣٤٨١.