الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨١ - ٣ حب الاَصحاب وبغضهم
ثانياً: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتمتع بأخلاق عالية،
حتى وصفه اللّه سبحانه: (وَإنّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم) كما وصفه بكونه رحمة
للعالمين، أفيسوغ لمن يتمتع بالرأفة أن يعرّف ٣٦ رجلاً ممّن حوله بالنفاق
ويقول: «إن فيكم أو منكم فاتقوا اللّه»؟ مضافاً إلى أنّه مخالف للسياسة الحكيمة،
ولذلك لم يعرّف المحاولين لاغتياله عند رجوعه من «تبوك » إلاّ لشخص أو
شخصين من أصحابه: حذيفة ابن اليمان و عمّار.
٣. حب الاَصحاب وبغضهم
أخرج الترمذي، عن عبد الرحمان بن زياد، عن عبد اللّه بن مغفل، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم):اللّه اللّه في أصحابي، اللّه اللّه في أصحابي، لا تتّخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبّهم فبحبي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، و من آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى اللّه، و من آذى اللّه فيوشك أن يأخذه. [١]
إنّ هنا سوَالين:
الاَوّل: انّ ظاهر مفاد الخطاب في قوله : «لا تتخذوهم غرضاً»، هو انّ الرسول خاطب رجالاً ليسوا من أصحابه فوصّى بأصحابه أن يحسن إليهم، مع أنّ الواقع لم يكن كذلك، بل هو كان يتكلّم بين أصحابه، ولا يوجد فيهم أحد سواهم، وكان الجميع بمرأى ومسمع منهص، وعندئذٍكيف يوصي أصحابه بالمخاطبين الذين هم أصحابه، وبالتالي يوصي أصحابه بأصحابه؟!
وواضع الحديث قد غفل عن هذه النكتة، لاَنّه كان في زمان متأخر عن زمان الصحابة.
الثاني: انّ الرواية تخلق للصحابة هالة من القداسة، وتمنح لهم وصف
[١] سنن الترمذي:٥|٦٩٦ برقم ٣٨٦٢، باب ٥٩.