الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٣٣ - ١ طواف النبي على نسائه في ليلة واحدة
ذلك ظلَّت خديجة وحدها زوجه ثماني وعشرين سنة حتى تخطّى الخمسين،هذا على حين كان تعدد الزوجات أمراً شائعاً بين العرب في ذلك العهد و على حين كان لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) مندوحة في التزويج على خديجة أن لم يعش له منها ذَكَر، في وقت كان تُوأد فيه البنات، وكان الذكور وحدهم هم الذين يعتبرون خلفاً وقد ظل النبي مع خديجة سبع عشرة سنة قبل بعثه وإحدى عشرة سنة بعده وهو لا يفكر قط في أن يُشرك معها غيرها في فراشه، ولم يعرف عنه في حياة خديجة ولم يعرف عنه قبل زواجه منها، انّه كان ممن تغريهم مَفاتن النساء، في وقت لم يكن فيه على النساء حجاب بل كانت النساء يتبرجنَّ فيه و يبدينّ من زينتهنّ ما حرّم الاِسلام من بعد». [١]
فمن غير الطبيعي ان تراه وقد تخطى الخمسين ينقلب فجأة هذا الانقلاب الذي تصوره تلك الرواية.
وأمّا تعدد زوجاته ونسائه، فمن قرأ صفحات تاريخه يقف على أنّه كان لاَجل غايات سياسية أو اجتماعية أو ما يشبههما.
مثلاً انّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يشرك مع خديجة أحداً مدى ٢٨
سنة، فلمّا قبضها اللّه إليه تزوج سودة بنت زمعة أرملة السكران بن عمرو بن عبد
شمس، ولم يرو راو انّ سودة كانت من الجمال أو من الثروة أو من المكانة بما
يجعل لمطمع من مطامع الدنيا أثراً في زواجه بها، إنّما كانت سودة زوجاً لرجل
من السابقين إلى الاِسلام الذين احتملوا في سبيله الاَذى والذين هاجروا إلى
الحبشة بعد ان أمرهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالهجرة وراء البحر إليها،
وقد أسلمت سودة وهاجرت معه وعانت من المشاق ما عانى، ولقيت من الاَذى
مالقي، فإذا تزوّجها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ذلك ليعولها وليرتفع
بمكانتها إلى أُمومة الموَمنين، فذلك أمر يستحق من أجله أسمى التقدير وأجلَّ
الحمد. [٢]
[١] القاضي عياض الاَندلسي: الشفاء، بتعريف حقوق المصطفى:١|٢٤١ـ ٢٤٣.ولاحظ مسند أحمد:٣|٧١.
[٢] محمد حسين هيكل، حياة محمد، ص ٣١٨ـ ٣١٩ الطبعة الثالثة عشرة.