الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٤٠ - ١ الفراغ من الاَمر الجبر
الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أيَّ عمل، وانّ صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أيّ عمل».
فعلى هذا تكون الهداية في آخر لحظات العمر مدعاة للفوز بالجنة مع أنّه سبحانه يخطِّىَ تلك الفكرة، ويردّ على تلك المزعمة بأنّ فرعون حينما أظهر الاِيمان في آخر لحظات حياته وقال: (آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمينَ) ، فردَّ عليه سبحانه بقوله: (الآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ) (يونس|٩٠ـ٩١).
إنّ الحديث الثاني الذي رواه الترمذي عن عبد اللّه بن عمرو من أنّه سبحانه «خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأ ضلّ»، يثير سوَالاً و هو ما هو المراد من خلق الناس في ظلمة مع انّه سبحانه، يقول: خلق الناس على فطرة التوحيد قال سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطرَتَ اللّهِ الّتِي فَطَرَالنّاسَ عَلَيْها) (الروم|٣٠) فهل يصحّ أن نعبر عن فطرة التوحيد بالظلمة؟
ثمّ ما هو ذنب من لم يسطع النور على قلبه فمكث في ظلمته وصار شقياً؟!
فعلى ضوء تلك الاَحاديث لا يقدر الاِنسان على اضلال نفسه وهدايتها كما لا يقدر على إدخال نفسه في الجنّة أو النار، فكلما أراد من شيء يكون الكتاب السابق حائلاً بينه و بين إرادته.
ثمّ إنّ الكتاب الذي سبق، حاكم على الاِنسان فلا يزيد ولا ينقص، وهو
يخالف النصوص الثابتة من القرآن والسنّة من تغيير المصير بالاَعمال الصالحة أو
الطالحة كما انّ القول بأنّه جفّ القلم على ما كان لا يتغير ولا يتبدل فكرة يهودية
كشف عنها القرآن حيث نقل عنهم قولهم (يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما
قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاء) (المائدة|٦٤).