الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٠٩
وثانيتها قوله : إنّهم ما كانوا يذكرون بسم اللّه الرّحمن الرّحيم.
وثالثتها قوله: لم أسمع أحداً منهم قال: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم.
فهذه الروايات الثلاث تقوي قول الحنفية ـ قال ـ :وثلاث أُخرى تناقض قولهم.
إحداها: ذكر انّ أنساً روى أنّ معاوية لما ترك بسم اللّه الرّحمن الرّحيم في الصلاة أنكر عليه المهاجرون والاَنصار، و قد بيّنا انّ هذا يدل على أنّ الجهر بالبسملة كان كالاَمر المتواتر عندهم المسلم فيما بينهم.
وثانيتها: روى أبو قلابة عن أنس انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبا بكر و عمر كانوا يجهرون ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم.
وثالثتها: انّه سئل عن الجهر ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم والاسرار به فقال: لا أدري هذه المسألة ـ قال ـ: فثبت انّ الرواية عن أنس في هذه المسألة قد عظم فيها الخبط والاضطراب فبقيت متعارضة فوجب الرجوع إلى سائر الدلائل . [١]
وأيضاً ففيها تهمة أُخرى، وهي انّ عليّاً (عليه السلام) كان يبالغ في الجهر بالتسمية، فلما تسلم بنو أُمية زمام الحكم بالغوا في المنع من الجهر بها سعياً في إبطال آثار عليّ (عليه السلام) ـ قال ـ : فلعل أنس خاف منهم، فلهذا السبب اضطربت أقواله ـ ونحن مهما شككنا في شيء فلا نشك في أنّه إذا وقع التعارض بين قول أمثال أنس و ابن المغفل و بين قول علي بن أبي طالب «عليه السلام» الذي بقي عليه طول عمره فإنّ الاَخذ بقول عليّأولى (قال) فهذا جواب قاطع في المسألة إلى أن قال: و من اتخذ عليّاً إماماً لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه و نفسه إلى آخر كلامه. [٢]
وبذلك تعلم قيمة خبر عبد اللّه بن مغفل، وقد أورده ابن رشد عند التكلم
في البسملة ونقل عن ابن عبد البرّ انّ ابن مغفل رجل مجهول. [٣]
[١] إلى هنا انتهى ما نقله عن أبي حامد الاسفرائيني.
[٢] مفاتيح الغيب:١|٢٠٦ـ ٢٠٧، وقد اقتصرنا في نقل أجوبته على وجه واحد.
[٣] بداية المجتهد:١|١٢٤.