الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠٣ - ٤ نسيان ما نزل في أحد من الآية
٤. نسيان ما نزل في أحد من الآية
أخرج أحمد في «مسنده»، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب أنّه أُصيب يوم أُحد من الاَنصار أربعة وستون وأُصيب من المهاجرين ستة، فمثلوا بقتلاهم.
فقالت الاَنصار: لئن أصبنا منهم يوماً من الدهر لنربينَّ [١] عليهم. فلما كان يوم فتح مكة نادى رجل من القوم لا يعرف: لا قريش بعد اليوم، فأنزل اللّه على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) : (وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثلِ ما عُوقِبتُم بِهِ وَلئِن صَـبَرتُمْ لَهُوَ خَيْـرٌ للصّابِرين) .
فقال نبي اللّه: كفّوا عن القوم [٢]
وفي رواية السيوطي: فقال رسول اللّه: نصبر ولا نعاقب، كفوا عن القوم إلاّ أربعة [٣].
نعلق على الحديث، و نقول:
إنّ المفسرين اتّفقوا ـ تبعاً للروايات ـ على أنّ قوله سبحانه: (وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا...) نزل في أُحد. حيث إنّ المشركين مثلوا بحمزة وأراد المسلمون أن يمثلوا بسبعين من الكافرين إذا استولوا عليهم في قبال حمزة فنزلت الآية [٤]
وقد تلاها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسمعها الصحابة و مع ذلك كيف يقول القائل يوم فتح مكة: لا قريش بعد اليوم، أو ليس ذلك اجتهاداً في مقابل النص؟
ولو افترضنا انّ القائل لم يسمع كلام اللّه سبحانه ـ و إن كان الاحتمال بعيداً جداً ـ فكيف يصحّ لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد نزول الآية ثانياً في مكة المكرمة أن يقول:
[١] لنربين: لنزيدن في التمثيل بقتلاهم.
[٢] مسند أحمد: ٥|١٣٥، سنن الترمذي: ٥|٢٩٩ برقم ٣١٢٩، والآية ١٢٦ من سورة النحل.
[٣] السيوطي: الدر المنثور: ٥|١٧٩.
[٤] الدر المنثور: ٥|١٧٩.