الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٦٢ - ٢٣ أبو طالب أبى النطق بالشهادتين عند الموت
أعداءه بسوء، فكان يضجع ولده علياً في فراشه كي لا يصيب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أيُّ مكروه.
ورغم ذلك كلّه، فقدأوصى أولاده حين وفاته قائلاً:
«أُوصيكم بمحمد خيراً فإنّه الاَمين في قريش، وهو الجامع لكلّمن أُوصيكم به، وقد جاء بأمر قبله الجنان وأنكره اللسان، مخافة الشنئان، وأيم اللّه لكأني أنظر إلى صعاليك العرب، وأهل البرّ في الاَطراف، والمستضعفين من الناس، قد أجابوا دعوته، وصدّقوا كلمته، وعظّموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، فصارت قريش وصناديدها أذناباً، ودورها خراباً، وضعفاوَها أرباباً، وإذا أعظمهم عليه، أحوجُهم إليه، وأبعدهم منه أحظاهم عنده». [١]
وأخيراً فيجدر بنا أن نسأل أقاربه المقربين حول إيمانه، لاَنّ أهل البيت أدرى بما في البيت.
لما مات أبو طالب جاء علي (عليه السلام) إلى رسول اللّهفآذنه بموته، فتوجع توجعاً عظيماًوحزن حزناً شديداً، ثمّ قال له امض فتولّغسله، فإذا رفعته على سريره فاعلمني، ففعل فاعترضه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو محمول على روَوس الرجال، قال: «وصلتْك رحم يا عم، وجزيت خيراً! فلقد ربّيت وكفّلت صغيراً، ونصرت وآزرت كبيراً».
ثمّ تبعه إلى حفرته، فوقف عليه مخاطباً إياه، قائلاً:
«أما واللّه لاستغفرنَّ لك، ولاَشفعنَّ فيك شفاعة يعجب لها الثقلان». [٢]
وفي الختام انظر إلى صلافة الرجل كيف يحكي القصة، فكأنّه كان حاضراً
في المجلس، فعرض النبي الشهادة على عمه فأبى، مع أنّ أبا طالب التحق
بالرفيق
[١] السيرة الحلبية:١|٣٥١ـ ٣٥٢.
[٢] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:١٤|٧٦.