الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٣٨ - ١ الفراغ من الاَمر الجبر
ب. أخرج الترمذي، عن عبد اللّه بن الديلمي، قال:سمعت عبد اللّه بن عمرو يقول: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إنّ اللّه خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأ ضلّ، فلذلك أقول: جفّالقلم على علم اللّه. [١]
ج. أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي عبد الرحمان الحبليّ، عن عبد اللّه ابن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: كتب اللّه مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والاَرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء. [٢]
هذه الاَحاديث التي رواها عبد اللّه بن عمرو بن العاص لا تفارق الجبر قيدَ شعرة، وتعرب عن أنّه تمّ القضاء على الناس منذ الاَزل وجعلهم صنفين فكل ميسَّر لما خلق له، لا لما لم يخلق له، فأهل السعادة ميسّرون للاَعمال الصالحة فحسب، وأهل الشقاء ميسّرون للاَعمال الطالحة فحسب.
هذه المرويات الّتي تكتظ بها الصحاح والمسانيد ، تناقض الاَُصول العقلية والنقلية المسلّمة، وحاشا رسول اللّه وخيرة أصحابه أن ينبسوا بها ببنت شفة، وإنّما حيكت على منوال عقيدة الجهاز الاَمويّ الحاكم، ولذلك لا تعجب عمّا يقوله إمام الحنابلة في رسائله:
والقدر خيره وشره، وقليله وكثيره، وظاهره وباطنه، وحلوه ومرّه
،ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيئه، وأوّله وآخره من اللّه. قضاء قضاه، وقدر
قدره عليهم، لا يعدو واحد منهم مشيئة اللّه ولا يجاوز قضاءَه، بل هم كلّهم
صائرون إلى ما خلقهم له واقفون فيما قدر عليهم لاَفعاله وهو عدل منه عزّ ربّنا وجلّ. والزنا والسرقة
[١] الترمذي : السنن: ٥|٢٦ رقم الحديث ٢٦٤٢.
[٢] صحيح مسلم: ٨|٥١، باب حجاج آدم و موسى (عليهما السلام) .