الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٤٠
نعم أخرج البخاري عن عبد اللّه بن عمرو انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: بلغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذّب عليَّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار. [١]
وفي سند البخاري أبي كبشة السلولي، قال ابن حجر: و ليس له في البخاري سوى هذين الحديثين. [٢]
والذي يسيء الظن بصحة ما رواه البخاري هو انّ الراوي هو عبد اللّه بن عمرو بن العاص الذي أكثر الرواية عن كتب بني إسرائيل والذي عثر على زاملتين من كتب أهل الكتاب فحدّث عنهما كثيراً.
ثمّ إنّ هنا رواية أُخرى أخرجها البخاري عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لاَهل الاِسلام ، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا باللّه وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم. [٣]
وظاهرها يعرب عن أنّ أبا هريرة شاهد الواقعة و رأى انّ أهل الكتاب كانوا يقرأون بالعبرانية ويفسرون بالعربية، وعند ذلك قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما قال مع أنّه أسلم بعد فتح خيبر و قد أُجليت اليهود من الجزيرة العربية كبني قينقاع و بني النضير، واجتث جذورهم، فكيف شاهد هذه الواقعة؟ ولعلّه سمعها من غيره ولم يذكر اسمه، وقد مرّ في ترجمة أبي هريرة انّه كان يُدلّس في الاسناد.
وثالثاً: انّ الاِنسان لا يقتنع مهما أحسن الظن برواة الصحاح و المسانيد، إذ
كيف يأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتحدث عنهم مع أنّ كتابه يصفهم
بأنّهم اقترفوا الكذب
[١] البخاري: الصحيح: ٤|١٧٠، باب ما ذكر عن بني إسرائيل.
[٢] فتح الباري: ٦|٤٩٨، باب ما ذكر عن بني إسرائيل.
[٣] البخاري: الصحيح:٩|١١١، باب قول النبي.