الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠١ - ٣ التجسيم في أحاديثه
٣. التجسيم في أحاديثه
ظهر التجسيم والتشبيه في المروّيات عنه نذكر منها ما يلي:
الحديث الاَوّل: أخرج مسلم، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى قال: قام فينا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بخمس كلمات فقال: إنّاللّه عزّوجلّ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور ـ وفي رواية أبي بكر:(حجابه) النار ـ لو كشفه لاَحرقت سُبُحاتُ وجهه، ما انتهى إليه بصره من خلقه. [١]
قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: فالسُّبُحاتُ (بضم السين والباء ورفع التاء في آخره) جمع سُبحة، قال صاحب العين والهروي وجميع الشارحين للحديث من اللغويين والمحدثين: معنى سُبُحاتُ وجهه: نوره وجلاله وبهاوَه.
وأمّا الحجاب (الذي يشير إلى قوله: حجابه النور أو النار) فأصله في اللغة المنع والستر، وحقيقة الحجاب إنّما تكون للاَجسام المحدودة، واللّه تعالى منزّه عن الجسم والحد.والمراد هنا المانع من روَيته، وسمي ذلك المانع نوراً أو ناراً لاَنّهما يمنعان من الاِدراك في العادة لشعاعها.
والمراد من الوجه الذات، والمراد بـ «ما انتهى إليه بصره من خلقه» جميع المخلوقات، لاَنّ بصره سبحانه و تعالى محيط بجميع الكائنات. ولفظة «من» لبيان الجنس لا للتبعيض والتقدير لو أزال المانع من روَيته وهو الحجاب المسمى نوراً أو ناراً وتجلّـى لخلقه لاَحرق جلال ذاته جميع مخلوقاته. [٢]
[١] صحيح مسلم:١|١١١، باب في قوله (عليه السلام) : إنّ اللّه لا ينام و في قوله: حجابه النور لو كشفه لاَحرق سُبُحاتُ وجهه.
[٢] النووي: شرح مسلم: ٣|١٧.