الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٧٥
٦. محمد بن مسلمة مصون عن الفتنة
أخرج أبو داود ،عن محمد، قال: قال حذيفة: ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلاّ أنا اخافها عليه إلاّمحمد بن مسلمة، فانّي سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لا تضرك الفتنة [١]
أقول: إنّ التاريخ الصحيح لا يصدق الرواية، فإنّ محمد بن مسلمة تخلّف عن بيعة أمير الموَمنين علي (عليه السلام) بعد أن تدافع إليها المسلمون و في طليعتهم بقايا المهاجرين وجموع الاَنصار ، وقعد عن نصرة الاِمام في معارك الجمل و صفين والنهروان وبقي في المدينة، فالرجل سقط في الفتنة، (أَلا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا) (التوبة|٤٩).
وأغلب الظن انّ الرواية حيكت لاَجل إراءة انّ قيام الاِمام علي «عليه السلام» ضد الناكثين والقاسطين والمارقين كان فتنة، وقد دخل في هذه الفتنة وجوه المهاجرين والاَنصار، لاَنّهم لم يكونوا مصونين عنها، ولم يدخلها محمد بن مسلمة وجلس في بيته لاَنّه كان مصوناً عنها بنص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ولعمر الحق، لو كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بصدد انقاذ محمد بن مسلمة وغيره من أصحابه، كان عليه أن يحدد الفتنة موضوعاً ومحمولاً، والآثار الوخيمة المترتبة عليها، حتى يتبيّن الحق لطلابه، ولا يقع فيها جمهور المهاجرين والاَنصار عن عمد أو غفلة، والظاهر انّ هذه الرواية نظير ما رواه أبو موسى الاَشعري عندما اعتذر عن المشاركة في الاَحداث الواقعة بعد مقتل عثمان، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ما بين أيديكم فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها موَمناً ويمسي كافراً، ويمسي موَمناً ويصبح كافراً ، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من
[١] سنن أبي داود: ٤|٢١٦ برقم ٤٦٦٣.