الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٢٠ - ٢ سبق الكتاب على الاختيار
وأنت جد عليم بأنّه إذا فرغ سبحانه من التقدير، وكلّإنسان سيوجه لما
خلق له شاء أم لم يشأ، فيكون العمل والطاعة لغواً، لاَنّ تقديره سبحانه لا يتغير
ولا يبدّل ،فهو سينتهي إلى الجنة عمل أم لم يعمل، فما هو فائدة العمل كما
سينتهي إلى النار، عصى أم لم يعص؟
٢. سبق الكتاب على الاختيار
أخرج مسلم في صحيحه، عن زيد بن وهب عن عبد اللّه بن مسعود، قال: حدّثنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو الصادق المصدوق: إنّ أحدكم يُجمع خلقُه في بطن أُمّه أربعين يوماً ثمّ يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثمّ يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثمّ يرسل الملك فينفخ فيه الرّوح ويوَمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقيٌّ أو سعيدٌ، فوالذي لا إله غيره انّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة حتى ما يكون بينه وبينها إلاّذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، وانّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه و بينها إلاّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنّة فيدخلها. [١]
قال الاِمام النووي عند شرحه لهذا الحديث:« إنّ المراد بالذراع التمثيل للقرب من موته ودخوله عقبه وانّتلك الدار ما بقي بينه و بين أن يصلها إلاّكمن بقي بينه و بين موضع من الاَرض ذراع.
ثمّأضاف: والمراد بهذا الحديث انّهذا قد يقع في نادر من الناس لا انّه
غالب فيهم. ثمّإنّه من لطف اللّه تعالى وسعة رحمته انقلاب الناس من الشر إلى
الخير في كثرة، وأمّا انقلابهم من الخير إلى الشر ففي غاية الندور ونهاية القلة،
وهو نحو قوله تعالى: «إنّ رحمتي سبقت غضبي وغلبت غضبي».
[١] صحيح مسلم: ٨|٤٤ باب كيفية خلق الآدمي في بطن أُمّه من كتاب القدر.