الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٢٥ - ٣ احتجاج آدم على موسى بالقدر
إنّ القضاء والقدر من المعارف الاِلهية والتي لا يمكن لمسلم إنكارهما، غير انّ تفسير القضاء والقدر بمثل ما جاء في الرواية أو أشير إليه في الآية السابقة يجعل الاِنسان مكتوف اليدين لاحيلة له أمام الحوادث التي تعصف به، وهو مما ترغب عنه الفطرة السليمة، وينافي دعوة الاَنبياء والمصلحين التي قامت أُسسها على حرية الاِنسان في اختيار مصيره.
أظن انّ هذه الاَحاديث قد نسجت وفق العقائد التي روّجها الجهاز الحاكم آنذاك حتى يُبرِّر فكرة انّ الوضع الاجتماعي لا يمكن تغييره أبداً بأي أُسلوب من الاَساليب، فالقوي يبقى قوياً، والضعيف يبقى ضعيفاً، وهكذا الحال في الظالم والمظلوم لكونه مسبوقاً في علم اللّه.
ثمّإنّ شرّاح الحديث مالوا يميناً وشمالاً حتى يجدوا له معنى صحيحاً يفارق الجبر، وأنّى لهم ذلك، فانّه يساوي الجبر ، وإلاّ لم يصح احتجاج آدم على موسى، ولم يغلب عليه في مقام المحاجّة حيث اقنعه بقوله بأنّه (ليس علي اللوم وإنّما سبق الكتاب على عملي)، وقد رواه البخاري أيضاً في كتاب القدر عن أبي هريرة [١] باختلاف طفيف.
ونقل ابن حجر، عن ابن عبد البر ، انّه قال: هذا الحديث أصل جسيم لاَهل الحق في إثبات القدر وانّ اللّه طوى أعمال العباد، فكلّ أحد يصير لما قُدِّر له بما سبق في علم اللّه، قال: و ليس فيه حجة للجبرية و إن كان في بادىَ الرأي ساعدهم.
وقال الخطابي في «معالم السنن» يحسب كثير من الناس انّ معنى القضاء
والقدر يستلزم الجبر وقهر العبد و يتوهم انّ غلبة آدم (على موسى) كانت من هذا
[١] البخاري: ٨|١٢٦، باب في القدر.