الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٥٦ - ١ تأبير النخل لا يُغني عن شيء
وروى عن رافع بن خديج: قال: قدم نبي اللّه المدينة وهم يأبرون النخل، يقولون يلقِّحون النخل، فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه، قال: لعلّكم لو لم تفعلوا كان خيراً فتركوه، فنقصت، قال: فذكروا ذلك له، فقال: إنّما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر.[١]
والعجب انّمسلم النيسابوري موَلف الصحيح ذكر الحديث في باب «أسماه» بوجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) من معايش الدنيا على سبيل الرأي.
نحن نعلق على الحديث تعليقاً مختصراً، ونحيل التفصيل إلى القارىَ.
أوّلاً: نفترض انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن نبيّاً، ولا أفضل الخليقة، ولم ينزل عليه الكتاب والحكمة، بل كان عربياً صميماً ولد في أرض الحجاز و عاش بين ظهراني قومه وغيرهم في الحضر والبادية، وقد توالى سفره إلى الشام، وكلّ من هذا شأنه يقف على أنّ النخيل لا يثمر إلاّ بالتلقيح، فما معنى سوَاله ما يصنع هوَلاء؟ فيجيبونه انّهم «يلقحونه».
أفيمكن أن يكون هذا الشيء البسيط خافياً على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟
ثانياً: كيف يمكن للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) النهي عن التلقيح الذي هو سنة من سنن اللّه أودعها في الطبيعة، قال سبحانه: (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّت ِاللّهِ تَحْوِيلاً) (فاطر|٤٣) ومع ذلك فكيف يقول: ما أظن يغني ذلك شيئاً.
ثالثاً: انّ الاعتذار الوارد في الرواية يسيء الظن بكل ما يخبر به عن اللّه بلسانه ويخرج من شفتيه، وأسوأ من ذلك ما نسب إليه من الاعتذار بقوله: «وإذا حدثتكم عن اللّه شيئاً فخذوا به، فإنّي لن أكذب على اللّه عزّوجلّ»لاَنّ فيه تلميحاً
[١] شرح النووي على صحيح مسلم: ١٥|١٢٥ـ١٢٦، الباب ٣٨، كتاب الفضائل.