الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٥٤
قضى عليهم و مضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب اللّه عزّ وجلّ:(وَنَفْسٍ وَما سَوّاها* فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها). [١]
إنّ أبا الاَسود الدوَلي عالم من علماء الاَُمّة تخرّج على يدي علي بن أبي طالب وله الفضل في تدوين علم النحو برعاية الاِمام (عليه السلام) .
وعمران بن الحصين صحابي جليل نهل من نمير علم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد دارت المناظرة بين تابعي وصحابي، ولكن الغلبة كانت حليف أبي الاَسود الدوَلي لاَنّه إذا كان مصير كلّ إنسان محتوماً عليه ومقضيّاً به ولم يكن للاِنسان دور فيه، فما معنى حمل مسوَوليته على عاتقه. قال سبحانه: (انَّ السَّمعَ والبَصَرَ وَالفُوَادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْوَولاً) (الاِسراء|٣٦). وقال سبحانه: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسوَُولون) (الصافات|٢٤) وقال تعالى: (وَكانَ عَهْدُ اللّهِ مَسْوَولاً) (الاَحزاب|١٥).
ولاَجل ذلك اعترض أبو الاَسود الدوَلي على عمران، بأنّ إنكار دور الاِنسان في مصيره يلازم كون العقاب عليه ظلماً.
فما أجاب به عمران بن الحصين: من أنّ كلّشيء خلق اللّه وملك يده فلا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون ،جواب غير مقنع، إذ لا شكّ انّ اللّه سبحانه مالك للملك والملكوت، ولا يملك إنسان شيئاً إلاّ بإذنه، ولكنّ حكمته سبحانه وعدله يصدّه عن أن يظلم عباده، وكون الدنيا وما فيها ملكاً له لا يبرّر التصرف في ملكه على خلاف العدل. أي أخذ البريء بلا جرم.
وخلاصة الكلام: انّ هنا أصلين كونه مالكاً وكونه حكيماً، فلا يتصرف في ملكه إلاّ في إطار الحكمة مع كونه قادراً على التصرف على خلافها، واللّه سبحانه لا
[١] مسند أحمد: ٤|٤٣٨.