الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٠٠ - ٦ الدجال يبرىَ الاَكمه والاَبرص
الاَكمه و الاَبرص ويحيي الموتى، ويقول للناس: أنا ربّكم، فمن قال: أنت ربّي فقد فتن، و من قال: ربّي اللّه حتى يموت فقد عصم من فتنته ولا فتنة بعده عليه ولا عذاب، فيلبث في الاَرض ما شاء اللّه، ثمّ يجيىَ عيسى ابن مريم (عليهما السلام) من قبل المغرب مصدقاً بمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى ملته فيقتل الدجال، ثمّ إنّما هو قيام الساعة. [١]
أقول: إنّ مضمون الحديث يخالف العقل و النقل.
أمّا العقل فلاَنّه يستقل بقبح منح القدرة الخارجة عن العادة للكذابين الموجب لافتتان الناس، والظاهر من الرواية أعني قوله: «فيلبث في الاَرض ما شاء اللّه» انّه يعيش في الاَُمّة الاِسلامية سنين متمادية، و يقوم بما يقوم به المسيح من إبراء الاَكمه والاَبرص و إحياء الموتى، فيضلُّ الناس بمعاجزه وكراماته التي أعطاها اللّه سبحانه له . هذا من جانب و من جانب آخر انّ الناس بطبيعتهم مفتونون بمن يصدر عنه المعاجز حيث يجعلون قدرته على أُمور خارقة للعادة دليلاً على صدق مدّعاه أعني قوله: «أنا ربّكم» فيَضلّون واحد بعد آخر، وعندئذٍ فما ذنبهم إذا آمنوا به مع وجود أرضية خصبة للاِيمان به؟!
وأمّا النقل، فإنّه سبحانه يقول: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الاََقاوِيل * لاََخَذْنا مِنْهُ بِاليَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الوَتِينَ * فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحدٍ عَنْهُ حاجِزِين)(الحاقة|٤٤ ـ ٤٧).
يستدل سبحانه على صدق كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه لو
تقوَّل علينا هذا الرسول (الذي زوّدناه بمعاجز من أهمها القرآن الكريم) و نسب
إلينا ما لم نقله لانتقمنا منه بشدة وقتلناه، فما منكم من أحد عنه حاجزين، و ما
ذلك إلاّ لاَنّ تسليط الاِنسان الكاذب المفتري، على قوّة خارقة يوجب افتتان
الناس به، و يصير سبباً لاِضلالهم، فمقتضى حكمته أن لا يمهله بل يأخذه
باليمين.
[١] مسند أحمد: ٥|١٣.