الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٤٨ - ١ إفتاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ رجوعه عنه
١. إفتاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ رجوعه عنه
أخرج أبو داود، عن سلمة بن المحبق، عن عبادة بن الصامت، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال ناس لسعد بن عبادة: يا أبا ثابت، قد نزلت الحدود، لو انّك وجدت مع امراتك رجلاً، كيف كنت صانعاً ؟ قال: كنت ضاربهما بالسيف حتى يسكتا، أفأنا أذهب فأجمع أربعة شهداء؟! فإلى ذلك قد قضى الحاجة، فانطلقوا فاجتمعوا عند رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا رسول اللّه ألم تر إلى أبي ثابت، قال: كذا وكذا؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : كفى بالسيف شاهداً، ثمّ قال: لا، لا، أخاف أن يتتايع [١] فيها السكران والغيران. [٢]
وحاصل الحديث انّ أبا ثابت قال: إنّي لو شاهدت الواقعة لقتلت ولا أصبر إلى أن أذهب فأجمع أربعة شهداء لاَنّه يلازم قضاء الحاجة والفراغ من الزنا.
فلما عُرض كلام أبي ثابت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : كفى بالسيف شاهداً، أي يوضع هذا السيف موضع الشهداء، ولا يحتاج إلى أن يذهب الزوج إلى جمع أربعة شهداء.
ثمّ إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بداله في إمضاء عمل أبي ثابت لاَنّ تجويز قتلهنّ، ربما تكون ذريعة لقتل النساء بلا جرم، وذلك إمّا لغيرة الزوج أو غضبه.
هذا هو مفاد الحديث ومعنى ذلك انّ النبي أفتى بشيء ثمّ رجع عنه، وهذا
ينافي الاَُصول المسلمة من حيث إنّه لا ينطق إلاّ عن وحي. إلاّ أن يحمل كلامه
الاَوّل على المزاح والهزل في القول، و هو كما ترى ليس على ذلك الحمل
قرينة.
[١] يتتايع على وزن يتتابع وزناً وهو التمادي والتهافت في الشر والفساد والمراد من «سكران»: صاحب الغيظ والغضب، يقال سكر فلان على فلان أي غضب واغتاظ، و«الغيران» بفتح العين المعجمة أي صاحب الغيرة.
[٢] سنن ابن داود: ٤|١٤٤ برقم ٤٤١٧.