الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٣٧ - ٢ أبو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في النار
قال: فلمّا رأى ما في وجهه قال: إنّأبي و أباك في النار. [١]
وثمة تساوَلات نطرحها وهي:
أ. انّالمعروف عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو العطف والحنان في معاشرته مع الناس وعلى ضوء ذلك، فهل كان من واجب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يجيب على سوَاله و يصرّح انّ مكانه في النار، و لمّا شاهد انزعاجه من جوابه اضطرّ إلى تسليته بأنّأباه مثل أبيه كلاهما في النار، ومثل هذا السوَال والجواب لا يصدر ممّن وصفه سبحانه بالخلق والفضل العظيم.
قال الاِمام النووي في شرح الحديث: قوله :«إنّ أبي وأباك في النار» هو من حسن العشرة بالتسلية بالاشتراك في المصيبة. [٢] نعم من حسن العشرة لكن من غير مبرِّر لكسر قلبه ببيان مصير أبيه ثمّ تسليته.
ب. إنّ الذين عاشوا بعد المسيح إلى حين بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على طائفتين، فمنهم من تمت عليه الحجّة فلا شكّ انّه في نار الجحيم، وأمّا من لم تتم عليه الحجّة فهو ممّن قال سبحانه في حقّه: (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لاََمْرِ اللّهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكيم) (التوبة|١٠٦) فليس كلّ من عاش بين الفترتين في النار قطعاً، فهل كان والد السائل ممن تمت عليه الحجة ؟
ج. إنّ الرواية تخالف ما عليه الاِمامية والزيدية وجملة من محققي أهل
السنّة من أنّوالدي النبي كانوا موحدين وشذَّ من قال إنّ النبي مع كثرة ما أنعم
اللّه عليه ووفور إحسانه إليه لم يرزقه إحسان والديه، فإنّ هذه الكلمة صدرت
من غير تحقيق، فانّ التاريخ لم يضبط من سيرتهما إلاّ شيئاً يسيراً، و فيما ضبط
إيعاز لو لم نقل دلالة على إيمان والديه، فقد نقل التاريخ عن والد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه عندما
[١] مسلم، الصحيح:١|١٣٢ـ ١٣٣، باب انّمن مات على الكفر فهو في النار. من كتاب الاِيمان.
[٢] مسند أحمد:٣|١١٩.