الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٧ - السبب الأول رواج الكذب على رسول الله
في حديث متضافر أو متواتر وقال: «من تعمّد عليّكذباً فليتبوأ مقعده من النار».
وهذا ليس أمراً مستغرباً، فإذا استقرأ الباحث تاريخ الحديث وتدوينه وانتشاره يتضح له بسهولة وجود أرضية خصبة لجعل الحديث على لسان رسول الاِسلام ، وذلك لاَنّ حديثاً لم يهتمّ بكتابته طوال قرن ونصف، كيف يكون حاله مع أعدائه الذين كانوا له بالمرصاد، وكانوا يكذبون عليه بما يقدرون، وينشرون كلّ غث وسمين باسم الدين وباسم الرسول؟! نحن لا ننكر انّ العلماء والمحدثين قاموا بواجبهم الديني تجاه السنة النبوية وكابدوا وتحملوا المشاق في تمحيص السنة الواقعية عما ألصق بها، لكن التمحيص الحقيقي من أشق الاَُمور بعد هذه الحيلولة الطويلة.
وكلما بعد الناس من عصر الرسول ازداد عدد الاَحاديث حتى أنّ الاِمام البخاري أخرج صحيحه عن ستمائة ألف حديث . [١]
وانّ أبا داود قد أورد في سننه أربعة آلاف وثمانمائة حديث وقال: انتخبته من ٥٠٠ ألف حديث. [٢]
كما انّ مسلم أورد في صحيحه أربعة آلاف حديث مع حذف المكررات انتخبها من ٣٠٠ ألف حديث. [٣] ذكر الاِمام أحمد بن حنبل في مسنده قرابة ثلاثين ألف حديث، وقد انتخبها من أكثر من سبعمائة ألف حديث وكان يحفظ ألف ألف حديث. [٤] ولاَجل ذلك نرى أنّ قمة هرم الاَحاديث تتصل بزمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقاعدة ذلك الهرم تنتهي إلى القرون المتأخرة، فكلما قربنا من عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
[١] إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري: ١|٢٩.
[٢] سنن أبي داود، قسم المقدمة:١٠.
[٣] تذكرة الحفاظ للذهبي: ٢|٥٨٩.
[٤] تذكرة الحفاظ:٢|٤٣١ برقم ٤٣٨.