الحديث النبوي بين الرواية والدراية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٤٠ - ٣ الفراغ من التقدير
الحاضرون في مجلس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقالوا : إذا كان هناك فراغ من العمل فما معنى العمل، فأُجيبوا بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : كلّامرىَ مهيأ لما خلق له، ومن المعلوم انّالجواب لا يقلع الاِشكال، فإنّ تهيئة كلّإنسان لما خلق عبارة أُخرى عن الجبر لا الاختيار، فالكافر زُوِّد بأسباب توصله إلى النار فقط، والموَمن جهّز بأسباب أُخرى توصله إلى الجنة.
إنّ القول بالفراغ يضاد قوله سبحانه: (يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتاب) (الرعد|٣٩) كما ينافي قوله سبحانه: (وَلَو أَنَّ أَهْلَ القُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالاََرْض وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) (الاَعراف|٩٦).
إنّ القول بالفراغ يبعث الخيبة والحرمان لدى عامة الناس لاَنّه إذا كان الاَمر قد فرغ منه، فنحن على كلّحال إمّا إلى الجنة أو إلى النار، فما فائدة القيام بالطاعة والانتهاء عن المعصية .
وقد كافح أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) تلك الفكرة بطرح البداء وانّ اللّه سبحانه يمحو ما يشاء و يثبت وليس للاِنسان مصير واحد قطعي لا يتبدل ولا يتغير وإن كان علمه سبحانه لا يتبدل ولا يتغير.
وقد ألمح إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في غير واحد من الروايات التي رواها جلال الدين السيوطي في تفسير قوله: (يَمْحُوا اللّه ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ ) و من أراد التفصيل فليرجع إليه [١]
وبذلك يعلم انّ ما أخرجه أحمد عن أبي الدرداء أيضاً لا يقل في الوهن عمّا نقلناه عنه.
أخرج أحمد عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء عن النبيقال:خلق اللّه آدم حين خلقه، فضرب كتفه اليمنى، فأخرج ذرِّية بيضاء كأنّهم الدّرّ، وضرب كتفه
[١] السيوطي: الدر المنثور: ٥|تفسير سورة الرعد: الآية ٣٩.