الشرح الکبير - ابن قدامه مقدسی، عبدالرحمن بن محمد - الصفحة ٤٨٦ - تعريف المقلد
أهل المعرفة بالقبلة من أهل البلد أو من غيره صار إلى خبره وليس له الاجتهاد كالحاكم يقبل النص من الثقة ولا يجتهد .
ويحتمل أنه انما يلزمه الرجوع إلى الخبر والى المحاريب في حق القريب الذي يخبر عن التوجه إلى عين الكعبة ، أما في حق من يلزمه قصد الجهة فان كان أعمى أو من فرضه التقليد لزمه الرجوع إلى ذلك وإن كان مجتهدا جاز له الرجوع لما ذكرنا كما يجوز له الرجوع في الوقت إلى قول المؤذن ولا يلزمه ذلك بل يجوز له الاجتهاد إن شاء إذا كانت الادلة على القبلة ظاهرة لان المخبر والذي نصب المحاريب انما يبني على الادلة وقد ذكر ابن الزاغوني في كتاب الاقناع قال : إذا دخل رجل إلى مسجد قديم مشهور في بلد معروف كبغداد فهل يلزمه الاجتهاد أم يجزئه التوجه إلى القبلة ؟ فيه روايتان عن أحمد ( احداهما ) يلزمه الاجتهاد لان المجتهد لا يجوز له أن يقلد في مسائل الفقه ( والثانية ) لا يلزمه لان اتفاقهم عليها مع تكرر الاعصار إجماع عليها ولا يجوز مخالفتها باجتهاده .
فإذا قلنا يجب الاجتهاد في سائر البلاد ففي مدينة النبي صلى الله
عليه وسلم روايتان ( احداهما ) يتوجه إليها بلا اجتهاد لانه عليه الصلاة
والسلام لا يداوم عليها إلا وهي مقطوع بصحتها فهو كما لو كان مشاهدا للبيت (
والثانية ) هي كسائر البلاد يلزمه الاجتهاد فيها لانها نازحة عن مكة فهي
كغيرها
( فصل ) ولا يجوز الاستدلال بمحاريب الكفار لان قولهم لا يجوز
الرجوع إليه فمحاريهم أولى إلا أن تعلم قبلتهم كالنصارى فإذا رأى محاريبهم
في كنائسهم على أنها مستقبلة المشرق فان وجد محاريب لا يعلم هل هي للمسلمين
أو الكفار لم يجز الاستدلالل بها لكونها لا دلالة فيها ، وكذلك لو رأى على
المحراب آثار الاسلام لجواز أن يكون الباني مشركا عمله ليغر به المسلمين
إلا أن يكون مما لا يتطرق إليه هذا الاحتمال ويحصل له العلم أنه محاريب
المسلمين فيستقبله .
( فصل ) وإذا صلي على موضع عال يخرج عن مسامتة الكعبة أو في مكان
ينزل عن مسامتتها صحت صلاته لان الواجب استقبالها وما حاذاها من فوقها
وتحتها لانها زالت صحت الصلاة إلى موضع جدارها والله أعلم
( مسألة ) ( وان
اشتبهت عليه في السفر اجتهد في طلبها بالدلائل وأثبتها بالقطب إذا جعله
وراء ظهره كان مستقبلا الكعبة ) [١] متى اشتبهت القبلة في السفر وكان
مجتهدا وجب عليه الاجتهاد في طلبها بالادلة لان ما وجب عليه اتباعه عند
وجوده وجب الاستدلال عليه عند خفائه كالحكم في الحادثة .
والمجتهد هو العالم بأدلة القبلة وإن جهل أحكام الشرع لان كل من علم أدلة شئ كان مجتهدا فيه لانه
[١]١ أي في المدينة المنورة وسورية وامثالهما من البلاد الشمالية كما سيأتي