المبسوط الحج و العمره - القائني، الشيخ محمد - الصفحة ٢٥٩
يسعى فيه الآن لا يتحقّق إنّه بعض المسعى الذي سعى فيه رسول اللّه صلى الله عليه و آله أو غيرهُ، فكيف يصحّ السعي فيه وقد حوّل عن محلّه كما ذكره هؤلاء الثقات؟
ولعلّ الجواب عن ذلك: أنّ المسعى في عهد رسول اللّه صلى الله عليه و آله كان عريضاً وبنيت تلك الدور بعد رسول اللّه صلى الله عليه و آله في عرض المسعى القديم فهدمها المهدي وأدخل بعضها في المسجد الحرام وترك بعضها للسعي فيه؛ ولم يحوّل تحويلًا كلّياً؛ وإلّا لأنكر ذلك علماء الدِّين من الأئمّة المجتهدين رضي اللّه عنهم أجمعين، مع توفّرهم إذ ذاك، فكان موجوداً في ذلك الوقت الإمامان أبو يوسف ومحمّد بن الحسن والإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة رضى الله عنه، وقد أقرّوا ذلك وسكتوا؛ وكذا من بعدهم مثل الإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل وبقيّة المجتهدين؛ فكان اجتماعهم على صحّة السعي في هذا المحلّ الموجود الآن من غير نكير نُقل عنهم.
وبقي إشكال آخر: في جواز إدخال شيء من المسعى في المسجد؛ وكيف يصير ذلك مسجداً؟ وكيف حال الاعتكاف فيه؟
وحلّه: بأن يجعل حكم المسعى حكم الطريق العام؛ وقد قال علماؤنا بجواز إدخال الطريق في المسجد إذا لم يضرّ بأصحاب الطريق فيصير مسجداً ويصحّ الاعتكاف فيه حيث لا يضرّ بمن يسعى. فاعلم ذلك، وهذا ممّا تفرّدت ببيانه. انتهى ما ذكره القطب [١].
أقول: إنّ الذي ورد في بعض السير من تغير المسعى وتحويله من محلّه الأصلي إلى الموضع الجديد، وأنّ هذا المسعى الفعلي هو مستجدّ، أو زيد فيه،
[١] تحصيل المرام للصبّاغ ١: ٣٤٢- ٣٤٤؛ والإعلام: ١٠٣- ١٠٤؛ التاريخ القويم ٣: ١٤٤.