المبسوط الحج و العمره - القائني، الشيخ محمد - الصفحة ١٤٩ - دليل عدم اشتراط مجاورة الصلاة للمقام عند الزحام
دليل عدم اشتراط مجاورة الصلاة للمقام عند الزحام
والنصّ المعروف في المسألة هو معتبرة الحسين بن عثمان قال: رأيت أبا الحسن موسى عليه السلام يصلّي ركعتي طواف الفريضة بحيال المقام قريباً من ظلال المسجد [١].
هذا في رواية الكليني؛ وفي رواية الشيخ بإسناده عنه مثله وزاد: لكثرة الناس [٢]، [٣].
[١] الوسائل ٩: ٤٨٦، الباب ٧٥ من أبواب الطواف، الحديث ١.
[٢] المصدر السابق: الحديث ١.
[٣] إنّه لا مناص لدراسة هذه الرواية من تحقيق أمر هو كالمبنى لها ولغيرها، وهو:
أصالة عدم التقيّة وتطبيقها في الأفعال بعد الأقوال
إذا صدر فعل من المعصوم، فإن علم وجهه من كونه تقيّة أو غيرها فلا إشكال؛ وإنّما الكلام مع الشكّ واحتمال صدوره تقيّة؛ فهل هناك أصل يعيّن عدم التقيّة كجريان هذا الأصل في الأقوال؟
فقد ورد في النصّ أنّ الإمام عليه السلام صلّى صلاة طواف الفريضة بحيال المقام عند الزحام؛ فهل يحكم بجواز ذلك لمطلق المكلّف؛ ولا يعبأ باحتمال كون الإمام متّقياً في فعله ذلك؛ كما لو قال الإمام عليه السلام ذلك؟
وليعلم أنّ جهة الإشكال في مثل هذه الرواية مضافاً إلى ما تقدّم أمر آخر؛ وهو احتمال خطأ الراوي في تشخيص فعل الإمام؛ فهل يجري في هذا المجال أصالة عدم السهو والاشتباه كجريانها في نقل الأقوال؛ سيما مع كون مثل الصلاة متقوّمة بالنيّة وتعيين كونها لطواف واجب وغيره؛ والنيّة شيء لا يعلم عادةً إلّامن قبل صاحبها؟
فالمتحصّل أنّ الإشكال من جهات متعدّدة:
منها: أنّ الفعل يحتمل التقيّة، وهل يجري فيه أصل عدم التقيّة الجاري في الأقوال؟
ومنها: أنّ حكاية الراوي صدور الفعل للزحام لا ينافي دخل التقيّة أيضاً في ذلك، ولم يعلم كون الراوي نافياً لها.
ومنها: أنّه لو فرض تضمّن الحكاية والإخبار لعدم دخل التقيّة فهل هو حجّة.
ومنها: أنّ حكاية الأفعال المتقوّمة بالنوايا كالصلاة- والنيّة لا تعرف عادةً إلّامن صاحبها- هل هي حجّة، حيث يحتمل كونها مبنيّة على الحدس؟
أمّا احتمال الخطأ في وجه النقل سيما لعدم الإحاطة بالنوايا فالظاهر أنّه مندفع في بناء العقلاء بنفس الملاك الثابت في حكاية الأقوال؛ فقد ذكرنا في بحث الاصول أنّ الخبر مآله إلى حكاية الفعل؛ لكون القول من جملة الأفعال؛ فحكاية القول إذا أفادت العلم بالصدور كانت حجّة بذاتها؛ وإذا لم ينشأ منها العلم فإمّا أن يكون ذلك من جهة احتمال تعمّد الكذب، ويدفعه: دليل حجّية إخبار الثقة في بناء العقلاء والشريعة؛ وإمّا أن يكون من جهة احتمال السهو والغفلة والاشتباه في الحكاية؛ ويدفعه أصالة الضبط في بناء العقلاء وإمضاء الشرع لها؛ وإمّا أن يكون من جهة احتمال صدور القول تقيّة من قائلها والأصل عدمها أيضاً.
إذا عرفت ذلك فالحكم في حكاية سائر الأفعال من حركة أو سكون هو الحكم في حكاية القول؛ فإنّه إذا علم تحقّق الفعل المحكي كان العلم حجّة بذاته. واحتمال: كون الراوي متعمّداً في الكذب، يدفعه: أدلّة اعتبار خبر الثقة؛ التي لا اختصاص لها باشتمالها على حكاية الأقوال.
وأمّا احتمال صدور الفعل تقيّة فسنتعرّض لشأنه بعيد هذا إن شاء اللَّه تعالى.
نعم، يبقى احتمال الفرق بين بعض الأفعال وبين الأقوال، حيث يحتمل الاشتباه من الحاكي؛ وذلك لاحتمال كون الموضوع لحجّية الخبر في بناء العقلاء هو حكاية الامور المحسوسة ببعض الحواس الظاهرة كسماع أو رؤية أو لمس وما شاكلها؛ فما كان كذلك كانت حكايته حجّة بدليل حجّية الخبر؛ بلا فرق بين كون المحكي قولًا أو فعلًا سواه كمشي أو حركة اخرى أو سكون وما شاكله؛ وأمّا إذا كان المنقول من النوايا أو الامور المقيّدة بها فلم يعلم حجّية الإخبار بها بعد كون احتمال الاشتباه فيها زائداً على احتماله في سائر الامور المتقدّمة.
ويردّه: أنّه لا فرق ظاهراً في بناء العقلاء بين الأقسام المتقدّمة.
ويشهد له الاعتماد على الإخبار عن الصفات كالعدالة والشجاعة والبخل والكرم.
نعم يمكن الفرق بين القسمين بما لا يكون فارقاً في المقام؛ وذلك بأنّ المخبر عن جملة من الامور يحكي عمّا يجزم به؛ وأمّا حكايته عن بعض آخر فهي حكاية عمّا هو حجّة له؛ نظير الإخبار عن الملك على أساس اليد كما ورد به النصّ على ما ببالي.
وأمّا الكلام في احتمال التقيّة: فقد يكون الاعتماد على فعل المعصوم على أساس قاعدة الاشتراك في غير ما علم اختصاص المعصوم به، فحيث لا أصل يدلّ على كون فعل المعصوم عن اختيار وعدم تقيّة فلا يمكن الاعتماد على ذلك في إثبات الحكم في غير ظرف التقيّة.
وإن شئت قلت: مقتضى قاعدة الاشتراك أنّ الحكم الثابت لفعل المعصوم مع انحفاظ موضوع ذلك الحكم في حقّ غيره يثبت في شأنه ولا يختصّ بالمعصوم؛ لا أنّ الحكم يتعدّى إلى غير موضوعه؛ فإنّ غاية قاعدة الاشتراك هذه نفي احتمال مدخليّة العصمة في موضوع الحكم؛ لا نفي مدخلية شيءٍ آخر يمكن تحقّقه في حقّ المعصوم وغيره.
وقد يكون الاعتماد على ظهور فعله في ثبوت الحكم في حقّ الآخرين؛ فكما يكون ظاهر قول المعصوم حجّة على أساس حجّية الظهور، كذلك يكون ظاهر فعله الدالّ على ثبوت الحكم في الشرع حجّة على أساس حجّية الظهور؛ وربما يكون هذا هو المستند لقاعدة الاشتراك المتقدّمة. وما يفعله المعصوم جائز بلا ريب؛ هذا من جهة؛ ومن جهة اخرى ظاهره كون الفعل صادراً عنه بما هو مختار لا تقيّة؛ وظاهر الفعل هو الدلالة على كون الفعل بما هو فعل المختار محكوماً بالحكم.
أمّا على الثاني فاحتمال التقيّة يدفعه ما يدفع احتماله عند كون الدالّ على الحكم هو اللفظ.
توضيح ذلك: أنّ المعصوم إذا باشر فعلًا كما لو جمع بين صلاة الظهر والعصر في سفر أو غيره، فنفس فعله ظاهر في كون جواز الجمع بين الصلاتين هو حكم شرعي ثابت للمختار؛ كما لو قال قولًا يدلّ على ذلك.
فكما لو عبّر عن الحكم بالقول كان الأصل عدم التقيّة في قوله وكونه جادّاً فيه؛ فكذا لو دلّ على الحكم بدالّ غيره من إشارة أو فعل.
وبالجملة: ظهور فعل المعصوم في ثبوت الحكم لفعله بما هو فعل اختياري شيء، وكون الفعل صادراً بالاختيار شيء آخر. ولا يتوقّف الأوّل على الثاني؛ فإنّ إفطار المعصوم عليه السلام عند الجائر ظاهر في ثبوت جواز الإفطار اختياراً عند حكم الحاكم العادل، وإن كان نفس المعصوم متّقياً في إفطاره لو كان الحاكم عادلًا فضلًا عمّا إذا كان الحاكم جائراً، فأصالة عدم التقيّة في فعل المعصوم باعتبار كونه دالّاً على الحكم في الموضوع الاختياري تجري؛ كجريانها في فرض كون الدالّ على الجواز قولًا أو فعلًا من قبيل الإشارة عند السؤال عن حكم قضيّة.
ويمكن دفع احتمال التقيّة بوجه آخر؛ بيانه: أنّ خصوصيّة كون الفعل في حال التقيّة أو حال الاختيار هي من الخصوصيّات التي يحتمل دخلها في الحكم في موضوعه حسب الفهم العام عرفاً؛ فلا مناص من ذكرها على تقدير وجودها- أو احتمال وجودها- إذا لم يكن هناك أصل ينفيه؛ وإلّا كان الإخلال بذكر الخصوصيّة إمّا عمداً وهو ينافي الوثاقة، أو سهواً وهو ينافي أصالة عدم السهو والغفلة.
وحيث فرض أنّه لا أصل ينفي احتمال التقيّة في الأفعال- بخلاف الأقوال- لكون الأقوال معدّاً للتفهيم بخلاف الفعل وإن أفهم أحياناً، فيكون عدم ذكر خصوصيّة التقيّة ناشئاً من عدم وجودها.
إلّا أن يقال: لا فرق بين حكاية القول وحكاية الفعل في كونهما لغرض الإفهام وإن افترق أصل الفعل عن القول في هذه الجهة.
ثمّ إنّ هذا البيان يمكن أن يُحلّ به الإجمال في كثير من الموارد التي يحكم فيها بالإجمال في الرواية، لكونه حكاية فعل؛ ولذلك يحكم بأنّها قضيّة في واقعة.
هذا بالغضّ عن كون القضيّة محكيّة في لسان المعصوم؛ فإنّ ذلك حجّة على عدم دخل خصوصيّة غير محكيّة في موضوع الحكم.
فإنّه بالبيان المتقدّم لا فرق بين كون نقل القضية من المعصوم وغيره؛ إلّامن حيث الحاجة في إثبات عدم السهو والغفلة والصدق في غير المعصوم إلى الاصول من حجّية الخبر المحتمل كذبه وعدم العبرة باحتمال السهو مع وجود الاحتمال؛ وهذا بخلاف المعصوم فإنّه لا يحتمل فيه غير الصدق للعصمة؛ وكذا لا يحتمل السهو والغفلة فيه أيضاً لذلك.
ويمكن أن يفرّق بين الخصوصيّات التي لا حاجة في احتمال دخلها إلى عناية ودقّة، بل يحتمله كلّ أحد، وبين الخصوصيّات التي يحتاج التفطّن لاحتمال دخلها إلى دقّة ونظر؛ فلا عبرة باحتمال الأوّل، بخلاف الثاني؛ فإنّ احتمال مثل هذه الخصوصيّات لا دافع لها في حكاية الأفعال؛ لعدم ثبوت أصل عقلائي يدفع احتمال دخل مثل ذلك؛ بعد أن لم يكن حكاية الأفعال مبنيّة على إعمال الدقّة في حكاية مثل هذه الخصوصيّات؛ ولو لكون الغفلة في مثلها أمراً شائعاً أو أكثر من الغفلة عن الخصوصيّات الواضحة المحتمل دخلها، فتأمّل جيّداً.