أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٣٤ - البحث الثالث في أحكام القطع الموضوعي و الطريقي و أنّه هل تقوم الطرق و الأمارات مقامهما أو لا؟
النحو (على نحو الكاشفية) في الموضوع شرعاً كسائر ما لها دخل في الموضوعات أيضاً (أي كسائر الصفات التي لها دخل في موضوعات الأحكام) فلا يقوم مقامه شيء بمجرّد حجّيته أو قيام دليل اعتباره ما لم يقم دليل على تنزيله و دخله في الموضوع كدخله».
أقول: لم يقم أحد من العلمين دليلًا على مدّعاه، و كأنّ كلّ واحد منهما أرسلها إرسال قضايا قياساتها معها، و الإنصاف أنّ المشكلة هنا أيضاً تنحلّ بما مرّ آنفاً من لزوم ملاحظة التفاسير الثلاثة التي ذكرت لأخذ القطع موضوعاً على وجه الكاشفيّة فيثبت بذلك أنّ النزاع في هذا المقام أيضاً لفظي.
بيان ذلك: أنّ ظاهر كلام الشيخ (رحمه الله) كون مراده من المأخوذ على وجه الكاشفيّة أنّ ما أخذ في الموضوع هو جامع الكاشف و جنس الكاشف الذي يكون القطع مصداقاً من مصاديقه كما صرّح بهذا التفسير المحقّق الحائري (رحمه الله) في الدرر (و قد مرّ بيانه) و لا ريب أنّه بناءً على هذا التفسير يقوم مقام القطع سائر مصاديق الكاشف بلا إشكال.
و أمّا المحقّق الخراساني (رحمه الله) فقد مرّ أنّ مقصوده من المأخوذ على نحو الكاشفيّة أنّ تلك الحالة، أي حالة المائة في المائة أخذت في الموضوع من جهة أنّها منوّرة لغيره لا من جهة أنّها تؤثّر في نفسه، و لا إشكال (حتّى عند الشيخ (قدس سره) في عدم قيام الأمارات مقام هذه الدرجة من العلم، فالمناقشة بين العلمين لفظيّة نشأت من اختلاف التفسير للقطع الموضوعي على وجه الطريقيّة.
ثمّ إنّ المحقّق الخراساني (رحمه الله) بعد هذا أورد على نفسه ما حاصله: أنّه يكفينا لإثبات قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي المأخوذ على نحو الكاشفيّة إطلاق دليل تنزيلها منزلة القطع الشامل ذلك الإطلاق لجميع آثار القطع من الطريقيّة و الموضوعيّة، فإنّ إطلاق دليل اعتبار الأمارة ينزّل الأمارة منزلة القطع في جميع آثاره و لوازمه المترتّبة عليه من كونه طريقاً محضاً و موضوعاً حتّى على نحو الصفتية.
و أجاب عن هذا بأنّ هذا الإطلاق ممتنع في المقام لاستلزامه اجتماع اللحاظين المتضادّين لأنّ تنزيل الأمارة منزلة القطع الموضوعي موقوف على لحاظ القطع استقلالًا لأنّ مقتضى موضوعيّة شيء هو استقلاله في اللحاظ من دون كونه تبعاً للغير، و تنزيلها منزلة القطع الطريقي موقوف على لحاظه آلة للغير و هو الواقع المنكشف به فيستلزم منه لحاظ المنزّل عليه و هو القطع بلحاظين متضادّين في إنشاء واحد و هو محال.