شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٦٤ - (باب) (جوامع التوحيد)
..........
فإذا رأوا إنسانا في غاية الجمال أو فرسا أو بقرا أو شجرا لها نوع اعتبار و خصوصيّة عبدوه و قالوا: هو ربّنا. الثالث صنف ترقّوا عن ذلك و قالوا: ينبغي أن يكون الرّب نورانيّا فعبدوا النار إذ وجدوها بهذه الصفة. الرّابع صنف ترقّوا عن ذلك و قالوا: النار تطفأ و تقهر فلا تصلح أن تكون ربّا و الرّبّ يجب أن يكون نورانيّا موصوفا بالعلوّ فعبدوا النجوم كالشمس و المشتري و الشعرى و غيرها، و منهم فصّلوا فقالوا: إنّ في هذا العالم خيرات و شرورا و الخير نور و الشرّ ظلمة و بينهما منازعة فوجب أن يكون الخير مستندا إلى النور و الشرّ إلى الظلمة فأحالوا العالم إليهما و هم الثنويّة. و منهم جاوزوا الحسّ و قالوا: الرّبّ أعزّ من أن يكون محسوسا و لكن لم يتجاوزوا مرتبة الوهم و الخيال فعبدوا موجودا قاعدا على العرش و أخسّهم رتبة المجسّمة ثمّ أصناف الكرامية و أرفعهم درجة من نفى الجسميّة و جميع عوارضها إلّا الجهة فخصّصوه بجهة فوق و هم المشبّهة. و منهم ترقّوا عن ذلك فعبدوا إلها سميعا بصيرا متكلّما عالما قادرا منزها عن الجهات لكن فهموا هذه الصفات على حسب مناسبة صفاتهم و ربّما صرّح بعضهم فقال: كلامه صوت ككلامنا، و ربّما ترقّى بعضهم فقال: لا بل هو كحديث أنفسنا و لا صوت و لا حرف و لذلك إذا حقّق القول رجعوا إلى التشبيه في المعنى و إن أنكروه لفظا إذ لم يدركوا كيفيّة إطلاق هذه الألفاظ في حقّ اللّه تعالى. و كلّ هؤلاء مشتركون في أنّهم يدعون مع اللّه إلها آخر «وَ مَنْ يَدْعُ مَعَ اللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ لٰا بُرْهٰانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمٰا حِسٰابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لٰا يُفْلِحُ الْكٰافِرُونَ» و وراء هذه المذاهب و غيرها من المذاهب الباطلة مذهب صحيح و هو أنّ الصانع موجود قديم أزليّ أبديّ، له نعوت جلاليّة و صفات كماليّة غير زائدة و لا تشابه بينه و بين خلقه أصلا لا بحسب الذّات و لا بحسب الصفات و المتمسّكون به هم المتمسّكون بذيل الأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام) و هم الّذين خرقوا بذلك حجب الطبائع الظلمانيّة و النفسانيّة، و تجاوزوا عن المقايسات الوهميّة و الخياليّة، و وصلوا إلى عالم التوحيد المطلق و شاهدوا رتبة الحقّ و عظمته و كماله و جلاله و جماله بعين البصيرة و هم بعد ما خرقوا تلك الحجب في حجب من نور عظمته كما ورد «أنّ للّه سبعين حجابا