شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٦١ - «الشرح»
..........
و اختارها على سائر الصور المختلفة)
(١) كما قال: «وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ»*
(فأضافها إلى نفسه)
(٢) تشريفا و تكريما و إظهارا لاصطفائها
(كما أضاف الكعبة إلى نفسه و الرّوح إلى نفسه فقال: بَيْتِيَ*، و نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي*)
(٣) تشريفا و تكريما و تبيينا لأنّ المضاف مصطفاه و مختاره و ما يفيد هذا التشبيه من أنّ إضافة الرّوح إلى نفسه لأجل أنّه اصطفاه و اختاره على سائر الارواح لا لأجل أنّه هو اللّه عزّ شأنه هو المقصود بالافادة في هذا الباب و قد روى الصدوق- (رحمه اللّه)- في كتاب عيون أخبار الرّضا (عليه السلام) بإسناده عن الحسين بن خالد و روى الشيخ الطبرسي رضي اللّه عنه في كتاب الاحتجاج مرسلا عن الحسين بن خالد أيضا قال: قلت للرّضا (عليه السلام) «يا ابن رسول اللّه إنّ الناس يروون أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال: إنّ اللّه خلق آدم على صورته [١] فقال: قاتلهم اللّه لقد حذفوا أوّل الحديث إنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) مرّ برجلين
[١] قوله «ان اللّه تعالى خلق آدم على صورته» مصرح به فى التورية، و رووه عن رسول اللّه (ص) فاما أن يكون من الاسرائيليات التى دخلت فى احاديث المسلمين من أحبار اليهود و اما أن يكون له تأويل على خلاف ظاهره و الحق أن الانسان هو الّذي خلق صورة للّه تعالى على وفق صورته فانه يظن صورته على أكمل ما يمكن أن يكون فتوهم أن اللّه تعالى مثله و قال صدر المتألهين هذا الحديث مما لا خلاف فى كونه مرويا عن النبي (ص). أقول و لكن الخلاف فى صحة الرواية. ثم تأول فى معناه بما هو صحيح فى نفسه. و ان لم يكن الرواية صحيحة و طابق بين صورة الانسان و صورة العالم الكبير فشبه القلب بالعرش و الدماغ بالكرسى و الحواس بالملائكة و الاعضاء بالسماوات و القدرة فى العضلة بالطبيعة فى العناصر ففى الحقيقة خلق اللّه تعالى آدم على صورة مخلوقه الكبير. و غرض الامام «ع» نفى كون اللّه تعالى جسما على صورة الانسان و غيره.
و يلحق بمن يقول خلق اللّه آدم على صورته من يقول خلق اللّه آدم على صفات أو غرائز تشبه صفاته تعالى و يثبت له الغضب و الرضا و المحبة و العشق و الندامة و الاسف و غيرها بالمعنى الّذي يثبت للانسان و هو سبحانه بريء من كل تأثر و انفعال و ربما يتعجبون مما ورد فى عقاب العاصين بالنار أو ما ينزل على العباد من البلاء كالزلازل و الطوفان و الحرق و الخسف و ما يهلك به الصالح و الطالح و الشيخ الكبير و الطفل الصغير لانه يرى كل ذلك تنافى رقة القلب التى جعلت فى الانسان لتجنبه من الافساد و تنفره من الظلم و اللّه تعالى منزه من الافساد و الظلم و الرقة و القسوة و كل ما يفعل فهو بعلمه العنائى و حكمته الكاملة لا يمنعه من انفاذه رقة كما لم يمنع الأنبياء المجاهدين فى سبيل اللّه عن اهلاك الكفار رقة و رقته تنافى الحكمة، و اعلم أن كل غريزة و صفة خلقها اللّه فى الانسان لغاية حكمية يحتاج إليها فكل ما يستحسنه و يميل إليه بطبعه أو يتنفر عنه و يفر منه فهو لحاجة مثلا يستحسن الماء و الخضر و الاشجار و الازهار جعله اللّه فيه ليرغب فى عمران الارض و تكثير الحرث و أرزاق العباد و يستحسن الرجل النساء الحسان و المرأة الرجال لبقاء النسل و يخاف من الظلمة لان النور معين له فى جلب المنافع و دفع المضار و يتنفر من القذر و النتن لحفظ الصحة و يخاف من الموتى ليسهل عليه دفن أعزته فى التراب و خلق فيه الترحم بالنسبة الى الضعاف و الصغار و المحبة للاصدقاء و الرقة و الغضب و الحزن و غير ذلك و مرجع جميعها الى الحاجة و جل الحق تعالى عن الحاجة فلا يعقل اثبات هذه الصفات له. و ربما يعترض الملاحدة على الموحدين بأن اللّه أرحم الراحمين فى اعتقادكم كيف يخلق الشر و الآفة و نقص الاعضاء و الاوجاع و نحن نعالج و نشفى يريدون بذلك أن ينسبوا تلك كلها الى طبيعة لا تفعل ما تفعل لغرض و الجواب أنه تعالى ليس على صفات البشر و لا يقاس فعله على فعله و ما ذكرتم أمور يفعلها اللّه تعالى لمصلحة و ان كانت تخالف رقة القلب التى فى الانسان و حب الحياة و البقاء فيه كما أنه ليس هذه الرقة لجراح يقطع الطفل الصغير قطعا فى رحم المرأة لتسلم أمها. (ش)