شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٩١ - «الشرح»
..........
و هو تعالى إنّما أوجده للأوّل لا الثاني، و كذا كلّ خلق مشتمل على خيرات كثيرة و شرور قليلة، و ليس خلقه إلّا لاشتماله على الخيرات لا لاشتماله على الشرور و لا لاشتماله عليهما جميعا فيكون وقوع الشرّ منه تعالى بالعرض و بتبعيّة الخيرات لا بالذّات و ظنّي أنّه لا مدخل له في هذا الحديث [١] لأنّ المقصود من الخير و الشرّ هو الخير و الشرّ من أفعال العباد كما يشعر به سياق الكلام و ما ذكره إنّما يتمّ في أفعاله تعالى لا في أفعالهم، و على تقدير التسليم فهذا القائل قد اعترف بأنّ موجد الخيرات بالذّات [٢] هو اللّه تعالى، و هذا بعينه مذهب الجبريّة [٣].
[١] قوله «و ظنى انه لا مدخل له فى هذا الحديث» و الحق انه لا فرق بين الشرين و مناط الاشكال فيهما و الجواب عنه واحد، و الاشكال أنه لم خلق الشرور التكوينية كالامراض و الآلام؟ و لم قدر المعاصى و أجراها على أيدى عباده مع أنه كان قادرا على عدم ايجاد الامراض و الآلام و عدم ايجاد من يعلم انه يعصى و الآلات التى يعصى به؟ و الجواب أن خلق الشرور بالعرض لا بالذات على ما أجاب الشارح. (ش)
[٢] قوله «و قد اعترف بأن موجد الخيرات بالذات» لعل القائل أراد بالخيرات الخيرات التكوينية و لا يرد عليه ايراد الشارح و لا يستلزم قوله الجبر نعم يرد عليه تخصيصه الكلام بالتكوينيات ان كان مراده التخصيص و الاولى أن غرضه الجواب عن التكوينى حتى يتنبه منه على جواب الشرور الاختيارية. (ش)
[٣] قوله «و هذا بعينه مذهب الجبرية» مذهب الجبرية أن الخير و الشر كليهما من اللّه و لا يخصصون بالخير، و الاجبار على الخير لو كان عاما لجميع الناس لم يكن ظلما و انما الظلم الفرق و التخصيص و قد استشهد بعض الجبرية بقول الحكماء «لا مؤثر فى الوجود الا اللّه تعالى» و هو استشهاد باطل صدر من جاهل غير متدبر للامور و العجب أنهم يعترضون على الحكماء فى قولهم باثبات العقول واسطة بين اللّه و بين بعض خلقه و يزعمون أنهم ينفون القدرة و التأثير عن اللّه تعالى و بعضهم يجعل اثباتهم المعدات و الاسباب نفيا لقدرته تعالى فكيف يستشهدون بقولهم «لا مؤثر فى الوجود الا اللّه تعالى» و الحق أنه «لا مؤثر فى الوجود الا اللّه» كما قالوا، لا تقليدا لهم و تعبدا لقولهم، بل لان سلسلة الوجود ينتهى إليه تعالى و التسلسل باطل فكل من فعل فعلا فانما فعل ما فعل بالوجود المستفاد منه المتعلق به و القدرة الحاصلة بإرادته. و الانسان الفاعل بالاختيار له وجود ظلى ربطى غير مستقل بل متعلق به تعالى و صدر فعله عنه بالاختيار الّذي جعله اللّه تعالى فيه و التمكين الّذي قدر له، و هذا لا يوجب الجبر بل هو عين الاختيار نظير ذلك عمل أفراد الجند باختيارهم موافقا لارادة أمرائهم و ينسب فتح البلاد و الظفر على الاعداء و الغلبة فى الحرب الى القواد و الامراء و الى كل واحد من الجندية و يثابون ان جهدوا و يعاقبون ان قصروا و لا ينافى تأثير الامير و القائد الشجاع المدبر فى الفتح و الغلبة اختيار أفراد الجند فالمؤثر أولا هو الامير و بعده الافراد كل باختيارهم و انما الجبر أن يجرى فعل على يد العبد بسبب مباين مضاد لاختياره و ليكن فى خاطرك هذا المثال حتى يحين حين شرحه فى بيان الامر بين الامرين ان شاء اللّه تعالى. (ش)