شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٥٢ - «الشرح»
..........
الأوّل فلأنّ غاية سير الأفكار هي أو اخر منازل الامكان و لا محلّ لسيرها في الأزل حتّى يعرف حقيقة الأزلي من حيث الذّات و الصفات، و أمّا على الثاني فلأنّ الأزل عبارة عن عدم الأوّليّة و من ليس لوجوده أوّل لم يكن للفكر محلّ يجول فيه لطلب أوّله
(و دوامه ردع لطامحات العقول)
(١) الرّدع المنع و الكفّ، و العقول الطامحة هي المرتفعة إلى أقصى مدارج كمالها و إدراكها يعني دوامه الأبدي و بقاؤه السرمدي يمنع العقول الكاملة و يكفّها عن الوصول إلى آخره لضرورة أنّ الشيء المعلوم الوقوع يمنع العاقل من طلب نقيضه
(قد حسر كنهه نوافذ الأبصار)
(٢) حسر البعير يحسر حسورا أعيى، و حسرته أنا يتعدّى و لا يتعدّى و الأوّل هو المراد هنا لأنّ كنهه فاعله و نوافذ الأبصار مفعوله يعني أعيى و أعجز كنهه الأبصار النافذة العقليّة عن إدراكه فإنّ البصيرة العقليّة و إن كانت قويّة نافذة إنّما تنفذ فيما يمكن نفوذها فيه ممّا هو في عالم الإمكان و كنه الواجب خارج عن هذا العالم
(و قمع وجوده جوائل الأوهام)
(٣) القمع القلع و الكسر. و الجوائل جمع الجائل يقال: جال و اجتال إذا ذهب و جاء و منه الجولان في الحرب يعني كسر وجوده الأوهام الجائلة في ميدان معرفة حقيقته لأنّك قد عرفت مرارا أنّ الوهم إنّما يدرك المعاني الجزئيّة المتعلّقة بالمحسوسات و وجوده تعالى لمّا لم يكن محسوسا و لا متعلّقا به كان كاسرا لتعلّق الأوهام [١] به و بحقيقته
(فمن وصف اللّه
[١] قوله «كان كاسرا لتعلق الاوهام» ليس في كلام أمير المؤمنين (ع) شيء آكد من هذا التنزيه البليغ و ردع الاوهام و العقول عن تصور ذاته تعالى و قد كان يكفى ذكره مرة واحدة ان كان المقصود بيان الواقع فقط و لكن مراعاة قواعد البلاغة و ايراد الكلام مطابقا لمقتضى الحال يقتضي تذكير المخاطب بعد كل كلمة يحتمل ذهاب وهمه منه الى التشبيه و ان أوجب التكرار لان المقام يقتضي التأكيد فقال البصير لا بأداة، فان ذهن المخاطب يذهب من البصر الى العين الباصرة، و قال بعده السميع لا بتفريق آلة و هكذا أورد بعد كل كلمة دافعا للوهم ثم أكد جميع ذلك بأربع جمل في التنزيه و ردع الاوهام عن اثبات اللوازم العرفية و العادية فقد جمع «ع» بين تفهيم العامة و تقويم الخاصة و تطعيم عقول الكرام و تزميم شراسة الاوهام، و طريقة الائمة (عليهم السلام) تغاير طريقة الفلاسفة العظام اذ يكتفى الفلاسفة ببيان شيء مرة واحدة غالبا لان مخاطبهم الخواص مثلا يقولون لا مؤثر في الوجود الا اللّه تعالى و يكتفون به، ثم يقولون الواحد لا يصدر عنه الا الواحد و يجعلون الكلام الاول قرينة على المراد من الكلام الثانى و ان كان بينهما فواصل و مقتضى البلاغة أن يصلوا بالكلام الثانى ما يدفع به ذهاب الاوهام الى بعض لوازم الكلام فيقولوا مثلا لا يخلق اللّه تعالى أول ما يخلق الاشراف مخلوقه و أقربهم إليه كما ورد أول ما خلق اللّه العقل أو اللوح أو القلم أو روح خاتم الأنبياء أو الماء و معلوم أن الاول واحد و لا يفعل الا الاصلح و مثله قول بعضهم بوحدة الوجود و يذهب الوهم منه الى لوازم باطلة و كان عليهم ان أرادوا بلاغة الكلام أن يقولوا هو مع كل شيء او داخل فيها من غير ممازجة و أمثال ذلك مما قاله أمير المؤمنين «ع». (ش)