شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٤٧ - «الشرح»
..........
المشابهة و المرئيّة و لمس المشاعر و حجب السواتر من صفات الصانع الأوّل، و ممّا ينبغي له و يليق به و يضادّ ما سبق من صفات المصنوعات، فلو جرى فيه صفات المصنوعات و جرى في المصنوعات صفاته لوقع المساواة و المشابهة بينه و بينها فيكون مشاركا لها في الحدوث المستلزم للإمكان المستلزم للحاجة إلى الصانع فلم يكن بينه و بينها فصل و لا له عليها فضل و كلّ ذلك أعني المساواة و المشابهة و عدم الفضل و الفصل، ظاهر البطلان و أراد بالحادّ خالق الحدود و النهايات [١] و هو الصانع و اعتباره غير اعتبار الرّبّ لدخول المالكيّة في مفهوم الرّب دون الصانع
(الواحد بلا تأويل عدد)
(١) لأنّ وحدته ليست بمعنى كونه مبدءا لكثرة تعدّده و يكون معدودا من جملتها بأن يقال هو واحد لا اثنان لأنّ الإنسان أيضا واحد بهذا المعنى مع ما فيه من التركيب و التجزية، أو يقال هو واحد آحاد الموجودات المتألّفة من الوحدات، إذ لو كان واحد بمعنى أنّه من جملة الآحاد المعدودة لكان من جنسها و كان داخلا في الكمّ المفصل فكان موصوفا بالعرض بل بمعنى أنّه لا ثاني له في الوجود [٢] و لا كثرة في ذاته، لا في الذّهن و لا في الخارج. و لا
[١] قوله «أراد بالحاد خالق الحدود و النهايات» يوصف الممكن بالمحدودية و الواجب بعدم الانتهاء و لا يخفى أن ليس المراد الحد المقدارى اذ ليس الواجب و بعض الممكنات متصفا بالمقدار حتى يوصف بالحد أو بغير التناهى، و انما المراد الحد بمعنى الماهية فانها تحدد الوجود و تمنعه من بعض الآثار، و لان كل ماهية لها آثار خاصة بها لا تتعداها الى غيرها بخلاف واجب الوجود فهو تعالى في عين وحدته لا يمتنع منه فعل و أثر، و أيضا الوجود المحض مطلق و الوجودات المختلطة بالماهيات مقيدة و قد سبق بيانه بوجه آخر في محله، و اذا لم يكن للاشياء وجود في نفسها بل كان وجودها ربطيا تعلقيا بل عين الربط و التعلق صح أن يقال هو حاد و هذه محدودة و قد مر في الصفحة ١٧٦ من هذا المجلد كلام يتعلق بالحد و المحدود فراجع إليه. (ش)
[٢] «بل بمعنى أنه لا ثانى له في الوجود» تفسير الواحد به من دقائق علم التوحيد و اسرار المعارف الالهية التى لا يهتدى إليها الا العقول المتمرنة في دقائق البرهان المنورة بنور الوجدان و كلام أمير المؤمنين (ع) رد على من زعم انه ليس في الشرع امر دقيق و مسئلة غامضة الا ما يفهمه عامة الناس و لهم فائدة في حياتهم و معاشهم لان تأكيده «ع» فى كلامه و خطبه نفى الوحدة العددية يدل على ان فهم هذه المسألة من الامور الهامة مع انه ليس سهلا على الاكثر و لا يفيدهم في معاشهم و معاشراتهم كالآداب و القوانين الاخلاقية و الاحكام الفقهية و قد ورد في كتاب التوحيد للصدوق عليه الرحمة حديث عنه «ع» فى معنى الواحد و انه على أربعة اوجه لا يجوز اثنان منها عليه تعالى و يجوز اطلاق اثنين قال الراوى و هو شريح بن هانى ان اعرابيا قام يوم الجمل الى أمير المؤمنين «ع» فقال يا أمير المؤمنين أ تقول ان اللّه واحد قال فحمل الناس عليه و قالوا يا اعرابى أ ما ترى ما فيه أمير المؤمنين (ع) من تقسم القلب فقال أمير المؤمنين (ع) دعوه فان الّذي يريده الاعرابى هو الّذي نريده من القوم ثم قال يا اعرابى ان القول في ان الرب واحد على أربعة اقسام فوجهان منها لا يجوز ان على اللّه عز و جل و وجهان يثبتان فيه فاما اللذان لا يجوز ان عليه فقول القائل واحد يريد به باب الاعداد فهذا ما لا يجوز لان ما لا ثانى له لا يدخل في باب الاعداد، أ ما ترى أنه تعالى كفّر من قال ثالث ثلاثة و قول القائل هو واحد من الناس يريد به النوع من الجنس فهذا ما لا يجوز عليه لانه تشبيه و جل ربنا عن ذلك و تعالى و أما الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل انه هو عز و جل في الاشياء واحد ليس له في الاشياء شبه كذلك ربنا. و قول القائل أنه عز و جل احدى المعنى يعنى به انه لا ينقسم فى وجود و لا عقل و لا وهم كذلك ربنا عز و جل» انتهى.
و لا ينبغى أن يتعجب من سؤال الاعرابى هذه المسألة العميقة و لا من تكلم أمير المؤمنين معه اذ قد حكى من فصحاء الاعراب و أهل البدو في الدقة و الفرق بين المعانى و إيراد الكلام على مقتضى المقام ما هو أعجب، و لو سألنا سائل بدوى عن غير ما يتعلق بطهارته و عبادته لم نجب عنه و قلنا عليك بواجبات تكاليفك العملية و ما لك و الدخول في هذه المعضلات التى لا تفيدك، ثم ضبط الراوى و نقله و هو شريح غير عجيب لانه مع جميع هناته كان فطنا جدا لا يبعد منه الاعتناء بهذه الامور و ضبطها و فهمها و سيأتى قريبا تفسير للمعانى الاربعة ان شاء اللّه تعالى. (ش)