شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٠٠ - «الشرح»
..........
بل قولنا لا من شيء دفع و نقيض له فإنّ نقيض الابتداء من شيء سلب الابتداء من ذلك الشيء لما تقرّر من أن نقيض كلّ شيء رفعه لا الابتداء من لا شيء إذ لا تناقض بين الموجبتين و إن كان المحمول في إحداهما متضمّنا للسلب و لمّا لم يكن ترديدهم حاصرا اختار (عليه السلام) شقّا ثالثا و هو أنّه خلق الأشياء لا من شيء
(فنفى من)
(١) بإدخال حرف النفي عليها و أنكر عليهم إدخال من على حرف النفي
(إذ كانت)
(٢) يعني من
(توجب شيئا)
(٣) [١] فلو دخلت على حرف النفي كما قالوا لزم التناقض في قولهم من لا شيء كما عرفت
(و نفى الشيء)
(٤) إشارة إلى أنّ النفي في قولنا لا من شيء راجع إلى مفهوم من الابتدائيّة و مفهوم مدخولها و هو الشيء كليهما لا إلى مفهوم من وحده حتّى يلزم وجود شيء قبل خلقه للأشياء
(إذ كان كلّ شيء مخلوقا محدثا لا من أصل)
(٥) تعليل لنفي من و نفي الشيء جميعا و هو في الحقيقة سند للمنع كما يظهر بالتأمّل
(أحدثه الخالق)
(٦) [٢] لا من
[١] قوله «من توجب شيئا» من هذه حرف جر بمعنى ابتداء الغاية و قد يقال لها من النشوية و هى يقتضي شيئا منه يبتدأ و ينشأ شيء آخر مثل ابتداء المسافة الحقيقية نحو سرت من البصرة الى الكوفة أو الوهمية نحو حفظت الكتاب من أوله الى آخره و قد تدل على العلة الفاعلية نحو أن يقال وجود العالم من اللّه أو على العلة المادية نحو خلقكم من مراتب ثم من نطفة، أو على العلة المعدة نحو الابن من الأب و العذاب من المعاصى و اذا اغتسل الانسان خلق اللّه من كل قطرة من ماء غسله ملكا يستغفر له و نعيم الآخرة تتجسم من أعمال أهل الدنيا و اجسامهم من اجسامهم فى الدنيا و يجب الفرق بين العلة المادية و العلة المعدة و خلق النفس المجردة من البدن من الثانى و الصورة النوعية من المزاج من قبيل الاول. (ش)
[٢] قوله «لا من اصل احدثه الخالق» مذهب اهل التوحيد ان اللّه تعالى خلق ما خلق من اصل و خلق ذلك الاصل أيضا و ليس الاصل غير مخلوق بخلاف الثنوية اى المانوية منهم فانهم قالوا بعدم مخلوقية الاصل و بمخلوقية ما تركب منه فقط و قوله «أحدثه الخالق» أى أوجده و أطلق الاحداث على الايجاد للملازمة عرفا بين الحدوث و الخلق. و قد تكرر البحث فى الحدوث متفرقا فى الحواشى و نلخص لك هاهنا حاصل ما سبق و هو أن الحدوث يمكن أن يثبت للعالم لوجوه:
الاول التعبد الشرعى فى الاعتقاد به و الدليل عليه ظاهر الكتاب و السنة و الاجماع و هذا وجه حسن و لكن يتوقف على اثبات حجية الاجماع و ظاهر الكتاب و قول الرسول و الائمة (عليهم السلام) فما لم يثبت ذلك أولا لم يصح التمسك بقولهم و اثبات ذلك كله متوقف على اثبات وجوده تعالى و عدله و لطفه و حكمته و النبوة و غير ذلك قبل اثبات الحدوث.
الثانى اثبات حدوث العالم حتى يثبت به احتياجه الى الصانع و يثبت به وجوده تعالى و لا يجوز التمسك حينئذ فى ذلك بالاجماع و أدلة الشرع لان المنكر أو الشاك فى وجوده تعالى لا يعترف بالشرع و لا بدليله بل الصحيح أن يثبت الحدوث بالدليل العقلى أولا، ثم يثبت به وجود الواجب ثانيا، ثم بعد ذلك يثبت النبوة و حجية قول النبي و بعد ذلك الامامة و حجية أقوالهم، ثم يثبت حجية الاجماع لدخول قول المعصوم فحجية الاجماع متأخرة عن اثبات الحدوث بهذه المراتب لا متقدمة عليه.
الثالث اثبات الحدوث لا لتوقف اثبات الواجب تعالى عليه و لا للتعبد به شرعا بل لانه مطلب علمى محض مثل عدم تناهى الابعاد و مساحة الارض و كرويتها و مقدار الابعاد بين الكرات السماوية و أمثال ذلك.
و بالجملة من يريد اثبات الحدوث لاثبات الصانع لم يجز له التمسك بالأدلّة الشرعية و من يتمسك بالأدلّة الشرعية لا يجوز له التمسك به لاثبات الواجب و ظاهر كلامهم أن الاعتقاد بالحدوث انما هو لاثبات الواجب تعالى و أن انكار الحدوث مساوق لانكار الصانع، و أن اثبات الصانع يكفى لاثبات الحدوث و على هذا فلا يجوز التمسك فيه بالأدلّة الشرعية كالاجماع و لما كان مذهب أكثر المتكلمين أن علة احتياج الممكن الى الواجب امكانه لا حدوثه و أن العقل لا يأبى أن يتعلق شيء قديم زمانا بشيء قديم مثله كما لو فرضنا الشمس قديمة كان نورها قديما مع تعلقه بالشمس التزموا بأن اثبات الصانع مطلقا لا يتوقف على اثبات الحدوث نعم زعم كثير منهم أن الفاعل المختار لا يجوز أن يكون فعله قديما و أن واجب الوجود مختار ففعله حادث زمانا و الا لزم اضطراره. و الجواب ان ذلك غير معقول لنا اذ لا يستحيل عند العقل أن يكون الفاعل المختار تعلق ارادته بأن يكون فاعلا دائما و أن يكون خلق عالما و أفناه، ثم خلق عالما آخر و أفناه، و هكذا الى غير النهاية أزلا و أبدا بحيث كان له فى كل زمان مخلوق، فالوجه أن يقال الحدوث أمر تعبدى ثابت بالدليل الشرعى لا لتوقف اثبات الواجب عليه بل هو مثل خلق العالم فى ستة أيام، أو يقال حدوث الاجسام مسئلة علمية مثل تركبها من الهيولى و الصورة و أمثال ذلك و بحث المتكلمون عنه كما بحثوا عن الجوهر و العرض و المقولات العشر لا لكونه مسئلة شرعية و الحق أن يقال غرض المتكلمين اثبات مخلوقية كل شيء للفاعل المختار و هو الاصل الّذي لا محيص عنه و انما عبروا بالحدوث لانهم اعتقدوا ملازمة بين المخلوقية و الحدوث و لا يهمهم الا اثبات مخلوقية كل شيء له. قال العلامة الحلى ((قدس سره)) فى نهج المسترشدين الموجود اما أن يكون قديما أو محدثا فالقديم ما لا أول لوجوده و الّذي لا يسبقه العدم و هو اللّه تعالى خاصة و المحدث ما لوجوده اوّل و هو المسبوق بالعدم و هو كل ما عد اللّه تعالى و غرضه هنا القديم و المحدث الذاتيان، بقرينة انه قال: و القديم لا يجوز عليه العدم لانه اما واجب الوجود لذاته فظاهر انه لا يجوز عليه العدم، و اما ممكن الوجود فلا بد له من علة واجبة الوجود و إلا لزم التسلسل و يلزم من امتناع عدم علته امتناع عدمه فاعترف بان الممكن يجوز أن يكون قديما زمانا مع كونه معلولا ثم قال ان علة احتياج الاثر الى المؤثر انما هى الامكان لا الحدوث. و قال أيضا الحدوث كيفية الوجود فتكون متأخرة عنه و الوجود متأخر عن الايجاد المتأخر عن الاحتياج المتأخر عن علة الاحتياج فلو كان الحدوث علة الاحتياج لزم الدور بمراتب و هو محال. (ش)