شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٥٧ - «الشرح»
..........
النافخ إلى المنفوخ فيه ليشتعل فيه النار مثلا و إنّما حملنا السؤال على هذا لا على أنّه كيف نسب النفخ إليه سبحانه مع أنّه في حقّه ممتنع لدلالة الجواب عليه. و تحقيق نسبة النفخ إليه على أحد وجهين أحدهما أنّ النافخ جبرئيل (عليه السلام) أو ملك من الملائكة بأمره جلّ شأنه و إنّما نسب إليه اتّساعا باعتبار أنّه الآمر و ثانيهما أنّ النفخ على تقدير أن يكون النافخ هو اللّه سبحانه استعارة حسّيّة لأنّه لمّا امتنع تحقّق صورته الحقيقيّة و هي الإخراج المذكور فيه وجب صرفه إلى ما يشبهها بأن يقال: لمّا كان اشتعال نور النفس [١] في فتيلة البدن عن الجود الإلهي المعطي لكلّ قابل ما يستحقّه يشبه بحسب محاكاة خيالنا ما يشاهد من اشتعال النار في المحلّ القابل لها عن صورة النفخ فلا جرم حسن التجوّز و التعبير بالنفخ عن إفاضة الجود الإلهي النفس على البدن لمكان المشابهة المتخيّلة و إن كان الأمر أجلّ ممّا عندنا
(فقال: إنّ الرّوح متحرّك كالرّيح)
(١) يعني أنّ الرّوح متحرّك سريعا في جميع أجزاء البدن [٢] و يجري آثاره في تجاويف أعضائه
[١] قوله «لما كان اشتعال نور آه» مقبس من صدر المتألهين (قدس سره). (ش)
[٢] قوله «يعنى أن الروح متحرك سريعا فى جميع اجزاء البدن» حمله الشارح تبعا لصدر المتألهين ((قدس سره)) على الروح الحيوانى أى البخار الصافى الجارى فى العروق على ما كان عليه الاطباء قديما و ينكره أطباء عصرنا و هو غير النفس الناطقة المجردة بل هو شيء من أجزاء بدن الحيوان و الدليل على وجوده ما ذكر من ان الحى مغاير للميت فى الخواص الجسمانية و مما يدل على وجوده و ان لم يثبت كونه بخارا أن التجربة دلت على وجود قوة سيالة فى أعصاب الحس و الحركة نظير القوة الكهربائية فاذا انفعل بعض اعضاء بدن الانسان من صدمة أو حرارة أو برودة أو لمس شيء انتقل الاثر منه الى الاعصاب و ينتهى الى الدماغ فيدرك فيأمر الدماغ الاعصاب المحركة بالتقلص و التجنب و يصل أمره بواسطة الاعصاب الى العضو المتأثر فيتقلص و قد وفق أصحاب التجارب من أهل عصرنا بآلاتهم الدقيقة لتقدير الزمان الفاصل بين التأثر و الادراك و التقلص و كان القدماء يسمون مثل هذه القوة السيالة الناقلة روحا نفسانيا، و أيضا اذا دار الانسان على نفسه سريعا عرض عليه دوار فيسقط على الارض و يرى كان الاشياء حوله تدور عليه و ليس تلك الحركة و الدوران فى الاشياء و لا فى احد اعضائه بل للروح الّذي فى دماغه فانه اذا دار على نفسه دار الروح فى دماغه فاذا سكن سكنت جوارحه و دماغه و بقى الروح متحركا مدة كاناء فيه ماء اذا أدرته سريعا ثم اسكنته دفعة بقى الماء دائرا بعد سكون الاناء هنيهة. و مما يدل على وجود الروح أيضا أن الانسان اذا غضب توجه الروح بالدم الى ظاهره للدفاع و تغير مزاج الدم و احمر الوجه و العين و اذا خاف فر الروح الى الباطن و اصفر اللون و ليس الدم مما يقتضي بنفسه هذه الحركات و أيضا يتوجه الروح الى الضياء و يهيج و ينجذب إليه و يسكن فى الظلمة و لذلك النوم فى الظلمة اسرع و أهنأ و لا يمكن نسبة ذلك الى الدم و بالجملة الاستدلال على وجود الروح من تتبع آثاره كالاستدلال على وجود الريح بتحريكها الاشجار و اثارة الغبار و امثال ذلك. و اطباء عصرنا على نفى وجود الروح الحيوانى و عمدتهم عدم وجدانهم فى تجزية اعضاء البدن و عناصره شيئا غير هذه الامور المعلومة من الدم و اللحم و العظم و أجزائها و لكن ليس البحث تجربيا محضا و ماديا صرفا حتى نسلم لاهل العمل و نصدقهم فى تجربتهم بل هو بحث فلسفى طبى عقلى يحتج عليه بالمقدمات الحكمية مع التجربة و لم يقع تجارب أطباء عصرنا الاعلى الاعضاء الميتة و الدم اذا خرج من البدن و بقى مدة فهو ميت و كذلك اللحم و العظم و العصب و العروق المنفصلة عن بدن الحى أموات تحلل الروح الحيوانى منها و لم يبق فيها شيء منه بالاتفاق و الكلام فى وجود هذا الروح فى الاحياء لا فى الاموات و تجاربهم قاصرة على المواد و لا فرق فى المادة بين الحى و الميت و نحن ننسب جميع الخواص الى الصورة النوعية لا الى المادة و الروح الحيوانى من الصورة النوعية كما يقولون الماء مركب من الهيدروجين و اوكسيجين و ليس الممزوج من هذين العنصرين ماء و لا يظهر منه خواص الماء الا بعد حصول الصورة المائية، و السكر مركب من الفحم و الماء بنسبة معينة و لا يترتب على الممزوج منهما أثر السكر و لا طعمه الا بتعلق الصورة النوعية السكرية و يحتمل كون الروح قوة نظيرة الكهرباء حاصلة من تركيب بعض الاجسام مع بعض و ان لم نر تصريحا به من القدماء و بالجملة فانكار أصل وجود الروح غير موجه و ان شكك فى ماهيته و هذا الحديث أيضا يدل على وجوده صريحا اذ لا يحتمل حمل الروح فيه على النفس الناطقة بل هو الروح الحيوانى كما صريح به صدر المتألهين (قدس سره). (ش)