دراسات الأصول في أصول الفقه - المعصومي الشاهرودي، علي أصغر - الصفحة ٨٠ - في حقيقة الوضع
و أنت ترى ذلك السنخ من الوضع عند وضع لفظ الدور أو التسلسل بإزاء خصوص حصّة مستحيلة منه، لا بإزاء المعنى الكلّي و الجامع بينها و بين غيرها.
فانقدح بذلك البيان أن لو كانت حقيقة الوضع ملحقة بإحدى المقولات لكانت مستحيلة الوجود بدون وجود اللفظ و المعنى الموضوع له، بل إنّما يكون هو أي الوضع بمعنى الملازمة الخاصّة بين طبيعي اللفظ و المعنى الموضوع له مثل سائر الملازمات الثابتة في الواقع بين الأمرين من الامور التكوينيّة مثل قولنا: «إن كان هذا العدد زوجا فهو منقسم إلى متساويين، بخلاف ما إذا كان فردا فلا ينقسم بالمتساويين» فالملازمة بين زوجية العدد و انقسامه بالمتساويين، و بين فرديّته و عدم انقسامه كذلك من الثوابت في الواقع و النفس الأمر أزلا و أبدا.
غاية الأمر أنّ تلك الملازمة ذاتيّة أزليّة، و هذه الملازمة بين اللفظ الموضوع و المعنى الموضوع له جعليّة و اعتباريّة، لا بمعنى أنّه مقوّم لذاتها و حقيقتها، بل بمعنى أنّه علّة و سبب لحدوثها، و لكن بعد الإحداث و الحدوث تدخل في سلسلة الامور الواقعيّة، و جعليّته بهذا الاعتبار غير مناف لاتّصافها بالامور الواقعيّة و تحقّقها في لوح الواقع و نفس الأمر، و كم له من نظير. و قد حقّقنا في محلّه أنّ هذه الملازمة ليست من سنخ المقولات بوجه من الوجوه كالجواهر و الأعراض، إذ أنّها و إن كانت ثابتة في الواقع في مقابل اعتبار أيّ معتبر و فرض أيّ فارض مثل قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [١]، إذ من البديهيات أنّ الملازمة بين تعدّد الآلهة و فساد العالم ثابتة في الواقع و الحقيقة، إلّا أنّها غير داخلة تحت شيء منها، إذ سنخ ثبوتها في الخارج ليس من سنخ ثبوت
[١] الأنبياء: ٢٢.