نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٩٥ - الشرح والتفسير ثمان وعشرون موعظة أخرى
الثالثة والعشرون: يقول الإمام عليه السلام: «وَقَطِيعَةُ الْجَاهِلِ تَعْدِلُ صِلَةَ الْعَاقِلِ».
هذه العبارة إشارة إلى أنّه كما ينتفع الإنسان من الارتباط مع العقلاء فإنّه ينتفع كذلك من القطيعة مع الجّهال (وطبقاً لهذا المعنى فإنّ الجاهل والعاقل بمنزلة المفعول لقطيعة وصلة).
ويحتمل أيضاً في تفسير هذه العبارة أنّ الجاهل إذا قطع علاقته معك فلا تحزن لذلك لأنّه بمنزلة أن يقوم عاقل بايجاد رابطة معك، وبالتالي فأنت تتخلّص من شرّه وضرره بقطع علاقته معك (وطبقاً لهذا التفسير فإنّ الجاهل والعاقل في هذه العبارة لهما موقع الفاعل).
الرابعة والعشرون: يقول الإمام عليه السلام: «مَنْ أَمِنَ الزَّمَانَ خَانَهُ، وَمَنْ أَعْظَمَهُ أَهَانَهُ».
والجملة الاولى إشارة إلى أنّ أيّ نعمة من نعم الدنيا لا يمكن أن يعتمد عليها، فأشكال النجاحات، والانتصارات، والثروات، والجمال والحُسن، المحبوبية والمكانة الاجتماعية، وسائر المواهب المادية الأخرى معرّضة للزوال في كلّ لحظة، والأشخاص الذين يعتمدون على هذه الأمور فسوف يواجهون فجأة خيانة الدنيا لهم، وستؤخذ منهم هذه النعم والمواهب واحدة بعد الأخرى، وهذا من قبيل أنّ الإنسان يبني في مسير السيل داراً فخمة، يحتمل في كلّ لحظة أن يأتي سيل عظيم ويجرف معه تلك الدار وينقضها، وعلى ضوء ذلك فالمراد من الزمان هنا الدنيا والمواهب المادية والنعم الدنيوية.
والمراد من الجملة الثانية أنّ الإنسان يرى أهميّة الدنيا في عينه ويتحرّك لتحصيل النعم المادية فيها بأيّ طريق كان وبأيّة وسيلة، وبديهي أنّ مثل هذا الشخص سيعيش الذلّة والمهانة ويسقط في أنظار الناس.
ويحتمل أيضاً في تفسير الجملتين أعلاه أنّ المقصود من الزمان، أهل الزمان، يعني أنّ الإنسان لا ينبغي له أن يثق بجميع أهل زمانه، لأنّه ربّما يطعن من الخلف ويواجه الغدر والخيانة، والمراد من تعظيم الزمان هو تعظيم أهل الزمان وبخاصّة