نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٢ - الشرح والتفسير الآخرون يحملون متاعك إلى الآخرة!
بالمخاطر ويقول: «وَأَنَّهُ لَاغِنَى بِكَ فِيهِ عَنْ حُسْنِ الارْتِيَادِ [١]، وَقَدْرِ بَلَاغِكَ [٢] مِنَ الزَّادِ، مَعَ خِفَّةِ الظَّهْرِ».
إنّ الأصل والأساس في هذا الزاد والمتاع هو ما ورد في القرآن الكريم يقول:
«وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى» [٣].
وعبارة: «حُسْنِ الْارْتِياد» مع الالتفات إلى أنّ كلمة «الارتياد» تعني الطلب، فالمراد من العبارة حسن الطلب، أو بكلمة أخرى التدبير وإبتغاء المنهج الصحيح في سلوك الطريق (أي في تهيئة الزاد والمتاع لسفر الآخرة).
وعبارة: «خِفَّةِ الظَّهْرِ» إشارة إلى ما ذكره القرآن الكريم، حيث يقول: «وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَّعَ أَثْقالِهِم» [٤]، فالإمام عليه السلام يوصي ولده أن لا يكون مثل هؤلاء الأشخاص الذين يحملون أوزارهم وأوزار الآخرين على ظهورهم، فالمؤمن يسعى لتخفيف حمله ما أمكنه ذلك.
وسبق أن ذكرنا في شرح الخطبة الحادية والعشرين أنّ الإمام عليه السلام تحدّث عن هذا المضمون بعبارة وجيزة جدّاً وعميقة المغزى وقال: «تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا»، في الماضي وعندما كانت القوافل تسير في طرق صعبة وتصل إلى منعطفات خطيرة فإنّ المثقلين يعجزون عن مواصلة الطريق، وبما أنّ القافلة لا تستطيع التوقّف بسببهم، فإنّها تستمرّ في مسيرتها، ويبقى هؤلاء وحدهم في الصحراء ويكون مصيرهم نهباً لقطاع الطرق وطعاماً لذئاب البراري.
وبعد هذه المقدّمة الوجيزة والعميقة المعنى يطرح الإمام عليه السلام مسألة الإنفاق في
[١]. «ارتياد» من مادة «رَود» على وزن «قَوم» في الأصل تعني الذهاب والمجيء مع المداراة والملاءمة في طلبالشيء، وبالنسبة لمشتقاتها تارة تغلب جهة الطلب وأخرى جهة الرفق والمداراة، ومفردة «إرادة» مشتقة من هذ الأصل أيضاً.
[٢]. «بلاغ» بمعنى الشيء الذي يوصل الإنسان إلى مقصده.
[٣]. سورة البقرة، الآية ١٩٧.
[٤]. سورة العنكبوت، الآية ١٣.