نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٦ - ١ العلاقة بين الآيديولوجية والرؤية الكونية
الكونية وحيث يطرح هذا التساؤل: هل هناك ثمّة ارتباط بينهما؟
إنّ الرؤية الكونية هي عبارة عن المعرفة بالحقائق، والآيديولوجية في هذا المورد تعني الأحكام والقوانين الناتجة باعتقادنا من قلب هذا العالم والحقائق الموجودة في الطبيعة.
ومن هنا يتبيّن الجواب عن شبهة من يقول: إنّ الأحكام الشرعية أمور اعتبارية ولا ترتبط بالحقائق أو الأمور التكوينية، فالإمام عليه السلام في هذا المقطع من الوصيّة يشطب بخطّ البطلان على هذه الشبهة، لأنّ الفصل بين هذين الأمرين يلغي أيّ اعتبار للأحكام الشرعية، فالحكم إنّما يكون له قيمة إذا كان مرتبطاً بالحقائق الموضوعية، وهذه هي فلسفة الأحكام التي تمنحها اعتباراً وقيمة، وهذه العلاقة الوطيدة بين الحكم الشرعيّ والحقيقة الموضوعيّة هي التي تعمل على تجسيد الحكم وترسيخه.
والأحكام التعبّدية أيضاً غير مستثناة من هذا القانون، فجميع هذه الأحكام تتوافق مع المصالح والمفاسد الواقعية، رغم أنّنا أحياناً لا نعرف الحكمة منها، لأنّه في غير هذه الصورة نواجه الترجيح بلا مرجّح، وعلماء الشيعة جميعاً يتّفقون على هذا لرأي.
والآيات القرآنية والروايات الشريفة أيضاً تصرّح بوجود مثل هذه العلاقة بين الأحكام الشرعية والواقع الموضوعي.
مثلًا، نقرأ في القرآن الكريم في سورة المائدة: «يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* إِنَّما يُريدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنْتَهُونَ» [١]، وهكذا نرى أنّ اللَّه تعالى في هذه الآيات الكريمة بعد يبيّن موارد الضرر الواقعي للأرجاس، كالخمر و القمار، ويذكّر
[١]. سورة المائدة، الآيتان ٩٠ و ٩١.