نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٢ - الشرح والتفسير الباعث لكتابة هذه الوصية
يزول أو يتغيّر بسهولة. ثمّ تضيف الرواية: وَالتَّعَلُّمُ فِي الْكِبَر كَالْخَطِّ عَلَى الْماءِ»، [١] في سرعة زواله وتغييره.
ثم إنّ الإمام يقدّم دليلين آخرين ويقول: فَبَادَرْتُكَ بِالْأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ، وَيَشْتَغِلَ لُبُّكَ».
والحقيقة أنّ الإمام بيّن ثلاثة أدلّة لاختياره لهذا الموقع والسنّ لتقديم النصح والموعظة، منها، استعداد قلب الشابّ لتقبّل المواعظ، وقساوة القلب بسبب عدم التلوّث بالذنوب وعدم اشتغال الذهن بمشاكل الحياة، وكلّ واحدة من هذه الجهات الثلاث كافٍ لوحده لاختيار هذا الوقت المحدّد، فكيف إذا اجتمعت هذه الجهات مع بعضها!
ثمّ يضيف الإمام عليه السلام: «لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدِّ رَأْيِكَ مِنَ الْأَمْرِ مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ التَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ [٢] وَتَجْرِبَتَهُ، فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مَئُونَةَ الطَّلَبِ، وَعُوفِيتَ مِنْ عِلَاجِ التَّجْرِبَةِ».
ويشير الإمام عليه السلام في هذه الفقرة من الكلام إلى أهمية الاستفادة من تجارب الآخرين، لأنّ الحياة ليست سوى تجارب، والإنسان العاقل بدلًا من أن يجرّب كلّ شيء بنفسه ويترتّب على ذلك أضرار ومشاكل كثيرة، فإنّه يستفيد من تجارب الآخرين ويتعلّم منهم ما يعينه في مسيرته بدون أن يدفع ثمن هذه التجارب، وبعبارة أخرى، إنّ الأجيال اللاحقة من حيث انتفاعها بتجارب القدماء، تعيش أفضل حالًا منهم من حيث السعادة والخبرة في مواجهة التحدّيات والظروف، فما اكتسبه القدماء بتعب وجهد كبير فإنّ الجيل اللاحق ينتفع منه بدون تعب، وكما يقول الإمام: «كُفيتَ مَؤُنَةَ الطَّلَبِ وَعُوفِيتَ مِنْ عَلاجِ التَّجْرِبَةِ».
ولذلك يقول الإمام عليه السلام في ختام هذه الفقرة من الوصية: «فَأَتَاكَ مِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ كُنَّا
[١]. شرح نهج البلاغة، ابن أبى الحديد، ج ١٦، ص ٦٧.
[٢]. «بغية» بمعنى الطلب، من مادة «بغي» على وزن «نفي»، ويقول الراغب في مفرداته إنّ هذه الكلمة تعني أحياناً مفهوماً ايجابياً وهو طلب الخيرات، وأخرى مفهوماً سلبياً وهو تجاوز حدّ العدالة والميل لجهة الظلم والباطل.