نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٠ - الشرح والتفسير الباعث لكتابة هذه الوصية
ولهاتين الجهتين بادرت لكتابة هذه الوصية.
بداية يقول الإمام عليه السلام: «أَيْ بُنَيَّ إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُنِي قَدْ بَلَغْتُ سِنّاً، وَرَأَيْتُنِي أَزْدَادُ وَهْناً، بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِلَيْكَ».
ومعلوم أنّ عمر الإمام عليه السلام في ذلك الوقت كان قد بلغ ستّين سنة أو أكثر قليلًا من ذلك، وكان عمر الحسن عليه السلام أكثر من ثلاثين عاماً ويملك في ذلك الوقت مشاعر الشباب وإحساسات الفتوّة، وهذا يعتبر درساً لجميع الآباء تجاه أبنائهم، فعندما يتقدّم بهم العمر وقبل أن يحلّ أجلهم، أو يتجاوز الأبناء مرحلة الشباب ويفقدوا الاستعداد لتقبّل النصيحة وتغيير المواقف والسلوكيات، فاللازم على الآباء أن يتقدّموا لهم بمثل هذه التوصيات.
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يتقدّم بتوضيح أكثر ويقول: «وَأَوْرَدْتُ خِصَالًا مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَعْجَلَ بِي أَجَلِي دُونَ أَنْ أُفْضِيَ [١] إِلَيْكَ بِمَا فِي نَفْسِي، أَوْ أَنْ أُنْقَصَ فِي رَأْيِي كَمَا نُقِصْتُ فِي جِسْمِي، أَوْ يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ الْهَوَى وَفِتَنِ الدُّنْيَا، فَتَكُونَ كَالصَّعْبِ النَّفُورِ [٢]».
وهنا نرى الإمام عليه السلام يتحدّث، لا من موقع كونه إماماً معصوماً ولا أنّ مخاطبه بوصفه ابنه المعصوم، بل بوصفه أباً مسنّاً ومحبّاً لولده الذي يخشى عليه أن يقع في دوّامة الأهواء وفتن الدنيا ووساوس النفس، ويشير إلى أمرين، أحدهما يعود لنفسه، والآخر لولده، ويقول: إنّني من جهة قد بلغ بي العمر سنّ الشيخوخة، وأخشى أن يحين أجلي وأفقد الحديث معك، ومن جهة أخرى أنّ التقدّم في السنّ ربّما يضعف الذهن والفكر كما يضعف أعضاء البدن الأخرى، ومن جهة ثالثة، أخشى عليك الآفات المختلفة والوقوع في شباك الشيطان والأهواء النفسانية ومغريات الدنيا،
[١]. «أفضى» من «الإفضاء» وأصلها «فضاء» بمعنى الوصول للشيء وكأنّه دخل في جوه وفضائه، ثم اطلقت علىمفهوم إلقاء مطلب معين وتعليمه لآخر وكأنّ المتكلّم ألقى هذا المفهوم في فضاء فكرالمخاطب.
[٢]. «نَفور» في الأصل بمعنى الحيوان الهارب الذي نفر من شيء مخوف، ثم اطلقت على كل إنسان يهرب من شيء.